زيد بن ثابت بهذا العمل الجليل ، فذكرت له أربع خصال « 1 » : كونه شابا ، فيكون أنشط لما يطلب منه . وكونه عاقلا ، فيكون أوعى له . وكونه لا يتهم ، فتركن النفس إليه .
وكونه كان يكتب الوحي ، فيكون أكثر ممارسة له . وسنجد أن هذه الصفات هي التي أهلته مرة أخرى ليكون على رأس القائمين بنسخ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه .
ويروي ابن أبي داود رواية توضح جانبا من الطريقة التي جرى عليها زيد بن ثابت في جمع القرآن ، فيروي أن الصديق قال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت : اقعدا في باب المسجد ، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه فاكتباه « 2 » . وفي رواية أخرى أن عمر بن الخطاب قام في الناس ، فقال : من كان تلقى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان « 3 » . ويقول ابن حجر « 4 » : كأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب ، أو المراد على أن ذلك المكتوب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن . وكان غرضهم ألّا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم لا من مجرد الحفظ .
وعمل كبير مثل جمع القرآن في الصحف من القطع التي كان قد كتب عليها في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم لا بد أنه احتاج إلى جهود كبيرة ، وهو ما يدعو إلى الاعتقاد أن بعض الصحابة قد وقف إلى جانب زيد في إنجاز هذا العمل الكبير « 5 » ، ولعل في مقدمة من أسهم في ذلك عمر بن الخطاب الذي كان ضمن كتّاب الوحي والذي تشير الرواية السابقة إلى مشاركته في تتبع القرآن وجمعه مع زيد . ويروي ابن أبي داود أن أبيّ بن
هامش
( 1 ) انظر : ابن حجر : ج 10 ، ص 387 .
( 2 ) المصاحف ، ص 6 .
( 3 ) نفس المصدر ، ص 10 .
( 4 ) ج 10 ، ص 388 . وانظر : علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 31 أ . والسيوطي : الإتقان ، ج 1 ، ص 166 .
( 5 ) انظر : د . عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ، ص 106 .