بقية الكتاب فقد استأثر به موضوع نقط الحركات وشكلها ومذاهب النقاط في ذلك واختلافهم فيه وما يتعلق بهذا الموضوع « 1 » ، ويبدو أن المؤلفين في موضوع النقط أهملوا معالجة إعجام الحروف بعد الداني ، فلا يشير الخراز ( ت 718 ه ) مثلا إلى هذا الموضوع في أرجوزته في ضبط المصحف ، ولعل السبب في ذلك هو أن نظام إعجام الحروف في الكتابة العربية قد صار من الشيوع والاستقرار بحيث لا يحتاج إلى من يتكلم حوله ، فالناس يتعلمونه حين يتعلمون حروف الهجاء .
إن التساؤل الذي أثاره الداني ونقلناه قبل قليل يدفعنا إلى الإشارة إلى أن الترتيب المعروف بيننا اليوم للحروف العربية قد استحدث بعد الإسلام في رأي أغلب الدارسين المحدثين « 2 » ، وسبق أن أشرنا إلى أن الترتيب القديم للحروف الذي يجري على نسق ( أبجد هوز . . ) قد ورثته الكتابة العربية - في الراجح - عن الأمم السامية القديمة « 3 » ، والمصادر العربية الأولى لا تحدثنا عمن غير ترتيب ( أبجد هوز . . ) إلى الترتيب المعروف اليوم ( أب ت ث . . . ) إلا أن بالإمكان استنتاج أن ذلك التحول قد تم في فترة متقدمة من تاريخ الإسلام ربما ترجع إلى القرن الأول ، فقد كان هذا الترتيب معروفا زمن الخليل بن أحمد « 4 » ، ووصف ابن جني ذلك النظام في ترتيب الحروف العربية بالتأليف المشهور مرة « 5 » ، وبالتأليف المألوف أخرى « 6 » ، ويعقب على ذلك بقوله « أعني على غير ترتيب المخارج » « 7 » وكأن ترتيب ( أبجد . . . ) قد تلاشى من الاستخدام إلا في بعض المجالات ، ولم يتحدث ابن جني عن واضع هذا الترتيب الجديد . ونجد أبا الحجاج البلوي ينسب هذا الترتيب إلى ( أهل العلم ) حين يقول « 8 » : « وقد رتب أهل العلم هذه الحروف أحسن ترتيب ، ضموا الأشكال بعضها إلى بعض مثل الباء والتاء
هامش
( 1 ) جاء كتاب المحكم في ص 260 صفحة ما عدا الفهارس .
( 2 ) انظر خليل يحيى نامي : ص 107 ، ود . جواد علي : ج 1 ، ص 209 ، وج 7 ، ص 7 .
( 3 ) انظر : ص 41 من الفصل التمهيدي .
( 4 ) انظر : كتاب العين ، ج 1 ، ص 52 و 53 . وانظر أيضا ابن النديم : ص 43 .
( 5 ) ابن جنّي : سر صناعة الإعراب ، ج 1 ، ص 50 .
( 6 ) نفس المصدر ( القسم المخطوط ) ، ورقة 307 ب .
( 7 ) نفس المصدر ، ج 1 ، ص 50 .
( 8 ) ألف با ، ج 1 ، ص 174 .