قارئ المدينة ( ت 169 ه ) عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن في شكل القرآن أنه قال لا بأس به « 1 » ، وروى الداني أن مالك بن أنس ( ت 179 ه ) قال « 2 » : « ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له : أما الإمام عن المصاحف فلا أرى أن ينقط ، ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها . وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسا » . وروى الداني عن خلف بن هشام البزار أنه قال « كنت أحضر بين يدي الكسائي ( ت 189 ه ) وهو يقرأ على الناس ، وينقطون مصاحفهم بقراءته عليهم » « 3 » ويعقب الذهبي على هذا الخبر بقوله « 4 » : « قلت لم يكن ظهر للناس الشكل بعد ، وإنما كانوا يعربون بالنقط » .
وهذه النصوص وأقوال العلماء تشير إلى أن كراهة نقط المصاحف أخذت تخف كلما تقدم الزمن ، وذلك لازدياد الحاجة لضبط القراءة ، حتى صار الكسائي إمام الكوفة ثم بغداد يجلس يقرأ والناس ينقطون المصاحف بقراءته ، وعلينا أن نلاحظ هنا أن المصاحف في القرون الأولى كانت تكتب أول ما تكتب مجردة من نقط الإعراب أو الإعجام ثم تنقط بعد ذلك على قراءة معينة أو تظل مجردة ، وبناء على ذلك فإن نقط المصاحف صار أمرا مقبولا بل محبذا قبل انقضاء القرن الهجري الثاني .
ويقول الداني « 5 » : « وصل إليّ مصحف جامع عتيق كتب في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة عشر ومائة ، كان تاريخه في آخره ، كتبه مغيرة بن مينا في رجب سنة مائة وعشر ، وفيه الحركات والهمزات والتنوين والتشديد نقط بالحمرة » . ومن المتوقع أن نقط هذا المصحف لم يتأخر عن تاريخ كتابته كثيرا .
وبعد هذه الحقائق ، التي لا تحتمل الشك ، عن استعمال النقط المدور في المصاحف في القرنين الأول والثاني نعجب من قول الدكتور صبحي الصالح بشأن تاريخ استخدام
هامش
( 1 ) ابن أبي داود : ص 142 ، والداني : المحكم ، ص 13 .
( 2 ) المحكم ، ص 11 .
( 3 ) نفس المصدر ، ص 13 . وانظر الذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 101 .
( 4 ) معرفة القراء ، ص 101 .
( 5 ) المحكم ، ص 87 .