ظل على هذه الحالة من عدم الاستقرار حتى عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي ( المتوفى سنة 170 ه على الأكثر ) « 1 » ، الذي استطاع أن يجد الحل المناسب لهذه المشكلة الكتابية التي كانت تقف في وجه الكتاب والنساخ والعلماء ، ولم يكن ذلك ممكنا من غير تخصيص كل حركة بعلامة تختص بها لا كما في حالة النقط المدور حيث تشترك كل الحركات بشكل واحد ، ويميز بينها بالمخالفة في الموضع ولون المداد ، وقد تم ذلك للخليل بما عرف له من فضل التقدم في علوم العربية .
روى الداني أن أبا الحسن بن كيسان قال « 2 » : « قال محمد بن يزيد : الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل ، وهو مأخوذ من صور الحروف ، فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة ، والكسرة ياء تحت الحرف ، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف » . وذكر أبو الحجاج البلوي « 3 » : « إن الخليل بن أحمد هو الذي بدأ التمدد والتشديد والروم والإشمام ، وإنه عمل الشكل الذي على الحروف ، وأخذه من صورة الحرف ، فالضمة واو صغيرة الصورة أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة ، والكسرة ياء تحت الحرف ، والفتحة ألف مسطوحة ( مبطوحة ) فوق الحرف . . . » « 4 » .
ويشير قول محمد بن يزيد المبرد الذي نقله الداني ، وما ذكره أبو الحجاج البلوي إلى أن الخليل بن أحمد أخذ صور الحركات الثلاث من رموز الحركات الطويلة أي من الألف والواو والياء ، وفي ذلك إشارة إلى إدراك سليم للعلاقة بين الحركات القصيرة والحركات الطويلة ذلك الإدراك الذي عبر عنه ابن جني أدق تعبير بقوله « الفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو ، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة والكسرة الياء الصغيرة والضمة الواو الصغيرة ، وقد كانوا في ذلك
هامش
( 1 ) انظر أبو بكر الزبيدي : ص 47 ، وابن النديم : ص 42 ، وأبو البركات الأنباري : ص 48 ، وابن الجزري : غاية النهاية ، ج 1 ، ص 275 .
( 2 ) المحكم ، ص 7 .
( 3 ) ألف با ، ج 1 ، ص 176 . وقد قال الداني ( المحكم ، ص 6 ) « ثم جعل الخليل بن أحمد الهمز والتشديد والروم والإشمام » . ويبدو على ضوء هذا القول أن كلمة ( التمدد ) التي جاءت في قول البلوي إنما هي تحريف كلمة ( الهمز ) ، وربما أراد بها البلوي ( المدة ) .
( 4 ) وانظر في ذلك أيضا : علم الدين السخاوي ، ورقة 12 / أ ، والسيوطي : الإتقان ، ج 4 ، ص 162 ، وطاش كبرىزاده : ج 2 ، ص 233 .