وتنقسم هذه الروايات إلى مجموعتين من حيث الوصف العضوي ، فالمجموعة الأولى التي تمثلها رواية العتبي ورواية المبرد تجعل التمييز بين الحركات الثلاث تبعا لاختلاف أوضاع الشفتين وكأنها تعطي للحركات استقلالا عن الحروف التي تسبقها ، والمجموعة الثانية التي تتمثل برواية أبي عبيدة وما نقله أبو الطيب ربطت الحركات الثلاث والحروف التي تسبقها وهي تجعل وضع الفم وليس الشفتين فحسب علامة على نوع الحركة ، وربما ألقت هذه التعبيرات التي تعد أولى الخطوات في النحو العربي ظلالا على موقف علماء العربية من استقلال الحركات ومدى ارتباطها بالأصوات الصوامت .
ويبدو أن المصطلحات النحوية الثلاثة : الفتحة والضمة والكسرة قد استمدت تسمياتها من تعبير أبي الأسود السابق عن طبيعة حركة الشفتين أو الفم مع الحركات الثلاث ، فكانت أسماؤها تمتّ بسبب إلى طبيعة الوضع العضوي لإنتاجها .
أما موضع النقطة من الحرف فإن تعبيرات الروايات السابقة وإن اختلفت شيئا قليلا في اللفظ فإنها متفقة في الواقع العملي :
فنقطة الفتحة ( فوق الحرف أو على الحرف أو فوقه على أعلاه أو على أعلاه ) .
ونقطة الضمة ( إلى جانب الحرف أو أمام الحرف أو بين يدي الحرف ) .
ونقطة الكسرة ( أسفل الحرف أو تحت الحرف ) .
ويبدو أن هذه النقطة لم توضع أصلا لتمثل الحركات وإنما لتشير إلى أن الحرف تليه فتحة أو ضمة أو كسرة ، ولكن بمضي الزمن وبتطور نظام النقط أصبحت تلك النقط تشير إلى نوع الحركة وصارت علامة لها ، وبدت الحركة لذلك وكأنها تابعة للصوت الصامت قبلها ، وأنها لا تستقل بنفسها في النطق تماما ، كاستقلال الأصوات الصامتة « 1 » .
وقد بلغ ذلك التصور حد التساؤل عن محل الحركة من الحرف ، وهل هي تحدث قبل الحرف أو معه أو بعده ؟ ورغم أن القول بأن الحركة تحدث بعد الحرف هو مذهب أكثر النحاة فإن هذه القضية تشير إلى مدى الربط بين الحركة والصوت الصامت قبلها « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن جنّي : سر صناعة الإعراب ، ج 1 ، ص 36 و 37 ، وانظر د . رمضان عبد التواب : ص 253 ، وجان كانتينو : ص 148 .
( 2 ) انظر ابن جنّي : الخصائص ، ج 2 ، ص ( 321 - 322 ) ، وسر صناعة الإعراب ( له ) ، ج 1 ، ص 32