وأشار الصولي إلى نفس المعنى في باب ما كتب على غير القياس بقوله « 1 » : « من ذلك الصلاة والزكاة والغدوة والحياة والمشكاة والربو : كتب كل هذا في المصحف بالواو ، وكان يجب أن يكتبن بالألف للفظ ، وإنما كتبن كذلك على مثل أهل الحجاز لأنهم تعملوا الكتاب من أهل الحيرة » .
وهذه الروايات تشير إلى أنه كان لأهل الحيرة نطق معين جرت عليه الكتابة عندهم ، وحين انتقلت الكتابة العربية من الحيرة إلى مراكز الحضارة في الحجاز حافظ الكتّاب على صور هجاء الكلمات ، لكن الرواية تفترض اختلاف نطق بعض الكلمات عند أهل الحجاز عن نطقها عند أهل الحيرة ، وأن أهل الحجاز أبقوا صور الكلمات على ما كانت عليه عند كتاب الحيرة ، ومن ثم فإن كتابة أهل الحجاز لتلك الكلمات بالواو « جرى على منطق غيرهم وتقليد لهم » .
ولا ندري هل كان أهل الحيرة ينطقون تلك الكلمات بالواو ، وجروا في كتابتهم على نحو ما ينطقون ، أو أنهم أخذوا الكتابة العربية من بيئة أخرى كانت تكتب هذه الكلمات بالواو ، وحافظوا على صورتها مع أن نطقهم لها قد يكون بالفتحة الطويلة ، على نحو ما تصور بعض علماء السلف موقف أهل الحجاز حين جروا في كتابة تلك الكلمات على منطق غيرهم ؟ ومهما يكن من شيء فإن هذه الفكرة عند علماء السلف - مع أنها جاءت مقتضية - تشير إلى فهم صحيح لأثر انتقال الكتابة من بيئة لغوية معينة إلى بيئة لغوية أخرى ، سواء أكانت هاتان البيئتان تنضويان تحت ظلال لغة مشتركة واحدة ، أم أن كلا منهما كانت مستقلة عن الأخرى ، لكن ظروفا معينة جعلت إحداهما تستعين بكتابة الأخرى ، إذ إن صور الكلمات تحاول أن تحافظ على شكلها الذي كانت عليه في البيئة الأولى ، رغم ما قد يلحق نطقها من تطور أو تغير في البيئة الجديدة ، وينطبق الشيء نفسه بالنسبة لكتابة لغة ما في بيئة معينة إذ إن هجاء الكلمات غالبا ما يمثل نطقا أقدم لتلك الكلمات في نفس البيئة ، وهذه الخاصية في الكتابة تفسر قسطا كبيرا من انحرافات الكتابة عن واقع النطق ، وهكذا تسير هاتان الحقيقتان : تطور اللغة في بيئة معينة مع عدم ملاحقة الكتابة لذلك التطور ، وانتقال الكتابة من بيئة معينة إلى أخرى قد يختلف نطق الكلمات فيهما - جنبا إلى جنب في تفسير معظم مظاهر القصور في الكتابات عامة ، من
هامش
( 1 ) أدب الكتاب : ص 255 .