وقرأهما بعضهم بنون واحدة « 1 » ، وقد علل علماء السلف حذف صورة النون الثانية - إن لم تكن قد كتبت على القراءة الأخرى - بأنها لما كانت ساكنة وتلاها الجيم فإنها - كما يقول الفراء - « تخفى ولا تخرج عن موضع الأولى ، فلما خفيت حذفت ، ألا ترى أنك لا تقول فننجي بالبيان ، فلما خفيت الثانية حذفت ، واكتفي بالنون الأولى منها ، كما يكتفى بالحرف من الحرفين فيدغم ويكون كتابهما واحدا » « 2 » . ولكن الفراء هنا جعل النون الباقية في الرسم تقوم مقام المحذوفة كالمدغم ، والصواب أن النون الأولى لا تعلّق لها بالثانية لوجود الضمة بينهما ، ويكون ما ينقله ابن قتيبة في ذلك « بأن النون تخفى عند الجيم فأسقطها كاتب المصحف لخفائها وبنية إثباتها » « 3 » أكثر دقة واحتمالا للصواب ، إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون الكاتب حين أحس بضعف النون قد استأنس بالمثبتة عن المحذوفة ، ورغم أن التأثر هنا بين النون والجيم لا يرقى إلى درجة التأثر في حالة الإدغام الذي يوجب كتابة الصوتين المدغمين برمز واحد ، فإن ورود كلمتي
أَنْ جاءَكُمْ *
[ الأعراف : 69 ] موصولتين في مصحف طشقند ( أنجاكم ) بسبب الإخفاء الذي لحق النون الساكنة حين لقيت الجيم قد يؤيد القول بأن النون الثانية حذفت بسبب الإخفاء الذي لحقها ، وفي رواية ينقلها أبو عمرو الداني - رغم أنه يردها - أن النون قد حذفت في بعض المصاحف على نحو ما حذفت من ( ننجي ) في قوله تعالى :
لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 )
[ يونس ] « 4 » . ولعل حذف لنون من ( للنظر ) قد كان بسبب إخفائها أيضا ، وربما يدخل هذان المثالان كظاهرة هجائية في باب استجابة الكاتب لما هو منطوق على نحو ما بينا قبل قليل ، ولعل ندرة أمثلة هذه الظاهرة - إن صح هذا الفهم لها - يرجع إلى أن التأثر هنا محدود ، ومن ثم لم يجد الكاتب دافعا قويا لتغيير الرمز كما لم يغير أو يحذف رمز النون في كلمة مثل ( منذر ) .
ثالثا : أثر الوقف على رموز بعض الصوامت :
ردد علماء السلف كثيرا أن الأصل في كتابة الكلمة هو أن تكتب بصورة لفظها بتقدير
هامش
( 1 ) الداني : التيسير ، ص 130 و 155 . والدمياطي : ص 268 و 311 .
( 2 ) الفراء : معاني القرآن ، ج 2 ، ص 56 . وانظر أيضا : ج 2 ، ص 210 .
( 3 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 39 . وانظر ابن مجاهد : ص 352 .
( 4 ) المقنع ، ص 90 .