- ما جاء موافقا للرسم من وجوه القراءات الصحيحة هو الذي يمكن أن يكون أساسا في دراسة الرسم من غير تخصيص وجه دون آخر لأن الكتبة إنما أرادوا لفظا واحدا ، لكنا لا نعلم ذلك اللفظ بعينه ، ومن ثم جاز لنا أن نعتمد على أي وجه من وجوه القراءة مما يحتمله الرسم في تفسير الظواهر الكتابية وحل مشكلات الرسم مما تتوافر الدواعي على ترجيحه .
ولهذا الاتجاه أثر عملي في تفسير ظواهر الرسم على نحو ما سنرى في بحث رمز الهمزة - مثلا - إلى جانب الإسهام في استبعاد بعض الأمثلة عما خرج على القاعدة العامة مما نص الأئمة على زيادة حرف فيه أو نقصانه منه ، وأوضح مثال على ذلك هو ما قيل من زيادة ألف في كلمة ( ثمود ) فقد جاءت الألف مرسومة بعد الدال في أربع آيات هي : ألا إنّ ثمودا كفروا ربّهم ( 68 ) [ هود ] وو عادا وثمودا وأصحاب الرّسّ ( 38 ) [ الفرقان ] وو عادا وثمودا ( 38 ) [ العنكبوت ] وو أنّه أهلك عادا الأولى ( 50 ) وثمودا فما أبقى ( 51 ) [ النجم ] . ويفهم من قول علماء الرسم في هذه الألف أنها زائدة في هذه المواضع الأربعة « 1 » . ولكن بالرجوع إلى قراءات الأئمة في هذه الكلمات نجد أن كلا من نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي قد قرأ الأربعة بالتنوين ، وقرأ كل من حمزة وعاصم في رواية حفص بترك التنوين فيها « 2 » ، ومن ثم فإن هذه الألف ما هي إلا الألف التي كتبت في المصحف عوضا عن التنوين المفتوح ما قبله عند الوقف ، وهي بذلك تدخل في القاعدة العامة للرسم في مثل تلك الحالة ، ونحن لا نرجح - في هذا المجال - قراءة على أخرى ، إنما نختار القراءة التي تساعد على تفهم الظاهرة ، ويبقى بعد ذلك لكل قارئ أن يقرأ ما رواه عن أساتذته وشيوخه مما يرتفع إلى الصدر الأول ، مما أقرأهم به النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وعلى أنه لا يجب الاقتصار في النظر إلى ظاهرة ما من ظواهر الرسم على ما جاء فيها من قراءات فحسب ، فلعل بعض ظواهر الرسم ترجع إلى فترة تاريخية سبقت نسخ
هامش
( 1 ) انظر ابن أبي داود : ص 114 . وأبو بكر الأنباري : ج 1 ، ص ( 263 - 264 ) . والداني : المقنع ، ص 41 .
( 2 ) ابن مجاهد : ص 337 . وانظر ابن الجزري : النشر ، ج 2 ، ص ( 289 - 290 ) .