المراحل الأولى - والحق معهم - حين يكتبون كلمة مثل ( لكن ) هكذا ( لاكن ) بناء على اللفظ الذي يسمعونه ، وليس من اليسير - الآن - الحكم على وجهة نظر الداني هذه ، ومدى انطباقها على واقع الكتابة - آنذاك - الذي لا نملك عنه من الأخبار إلا القليل ، لكن ملاحظته - إن صح فهمنا لها - مهمة في معرفة واقع الكتابة والعوامل المؤثرة في رسم الكلمات وتطوره .
وتحدث الداني عن الخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة ، وقال في تأويله : إن عروة لم يسأل عن حروف الرسم التي تزاد وتنقص ، وإنما سألها عن حروف القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه على اختلاف اللغات ، مما أذن اللّه عز وجل القراءة به ، ومن ثم فليس ما جاء في الخبر من الخطأ أو اللحن بداخل في معنى المرسوم ولا هو من سببه في شيء ، وإنما سمى عروة ذلك لحنا ، وأطلقت عائشة على مرسومه الخطأ على جهة الاتساع في الإخبار وطريق المجاز في العبارة ، وينقل الداني أن بعض العلماء - وكأنه يشير إلى ابن أشتة - قد تأول قول أم المؤمنين ( أخطئوا في الكتاب ) أي : أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه ، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز ، لأن ما لا يجوز مردود بإجماع ، وإن طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه . ثم ينقل أن هناك من تأول اللحن بأنه القراءة واللغة - وكأنه يشير إلى ابن أبي داود - كقول عمر - رضي اللّه عنه - أبيّ أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه ، أي قراءته ولغته « 1 » .
والملاحظ على تأويلات علماء السلف عامة أنهم فهموا اللحن في تلك الأخبار على أنه مرادف للخطأ النحوي ، فراحوا يؤولون ويعللون ، ويبدو أن فهم الخبر المروي عن عثمان - رضي اللّه عنه - يتوقف على تحديد معنى اللحن الوارد فيه ، وعند الرجوع إلى معاجم اللغة نجدها تقدم عدة معان لمادة ( لحن ) منها : الخطأ في الإعراب ، واللغة ، والغناء ، والفطنة ، والتعريض ، والمعنى « 2 » ، إلا أن استعمال اللحن بمعنى الخطأ في
هامش
( 1 ) انظر : الداني : المقنع ، ص ( 118 - 119 ) .
( 2 ) انظر : ابن منظور مادة ( لحن ) ، ج 17 ، ص 265 ، وانظر نفس المادة عند : ابن دريد : الجمهرة ، ج 2 ، ص 192 . والأزهري : ج 5 ، ص 61 . والجوهري : ج 6 ، ص 2193 . وانظر الصولي : ص 30 و 132 .