وقد وقف بعض الباحثين في الاتجاه المقابل ، وذهبوا إلى أن رسم المصحف ليس توقيفا ، وإنما هو من وضع الصحابة واصطلاحهم ، فلم ينقل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يملي على كاتب الوحي بهذه الصفة والكيفية ، فلو كان كذلك لتواتر عنه صلى اللّه عليه وسلم وما كان ذلك خافيا على أحد ، إذ لم يصح في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام « 1 » ، كذلك فإن واقع الرسم بما فيه من هيئات متعددة لرسم الكلمات ينفي أن يكون توقيفا « 2 » .
وستكشف لنا دراسة خصائص الرسم وظواهره ومقارنتها بواقع الكتابة العربية آنذاك عن جانب من حقيقة الأمر ، وما يمكن أن يقال في ذلك ، بما يتيح الإجابة بثقة في هذه المسألة ، ونشير - هنا - إلى أنه يجب التمييز - بكل وضوح - بين قول جمهور علماء الأمة بوجوب التزام الرسم العثماني في نسخ المصاحف ، وبين القول بأن الرسم توقيف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذ إن القول بالتوقيف يبدو أنه قد ظهر في وقت متأخر ، وأن من قال من العلماء المتقدمين بوجوب التزامه في رسم المصاحف لم يكن يقصد إلى شيء مما فهمه وقال به المتأخرون بشأن التوقيف .
ثانيا : موقفهم من تفسير ظواهره :
أشرنا من قريب إلى أن قواعد الكتابة العربية قد أخذت تتحدد منذ وقت مبكر حين ازداد استعمال الناس لها في تدوين العلوم وفي خدمة معاملات الدولة والأفراد على السواء ، وجاء علماء العربية فأسهموا إسهاما كبيرا في ذلك ، استوقفتهم بعض صور الهجاء الواردة في خطوط المصاحف ، فأخذوا يتحدثون عن الرسم القياسي الذي يعملون على تقعيد قواعده ، وعن الرسم المصحفي الذي لا يطرد هجاؤه ، ولا يقاس عليه غيره ، على نحو قول ابن درستويه السابق ، وكان أكثر خط المصاحف - في نظرهم - موافقا لتلك القواعد ، لكنه قد جاءت أشياء خارجة على ذلك « 3 » ، وغاب عنهم أن القواعد التي
هامش
( 1 ) انظر ما روي من أحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بشأن الكتابة : محمد طاهر الكردي : تاريخ الخط العربي ، ص 9 . وانظر أيضا للزبيدي : حكمة الإشراق ، ص 67 .
( 2 ) انظر : في الرد على من قال بالتوقيف : محمد طاهر الكردي : تاريخ القرآن ، ص 101 . وعبد الوهاب حمودة : ص 100 . ود . صبحي الصالح : ص 275 وما بعدها . وانظر : مذهب القاضي أبو بكر الباقلاني في ذلك : أحمد بن المبارك : الإبريز ، ص ( 54 - 55 ) . والزرقاني : ج 1 ، ص ( 373 - 374 ) .
( 3 ) انظر ابن الجزري : النشر ، ج 2 ، ص 128 . والقسطلاني : ج 1 ، ص 285 .