ذهابه إلى جواز كتابة المصحف بالمألوف من الهجاء عند الناس ؛ بل هو يوجب ذلك خشية وقوع التغيير في القرآن من قبل الجهال ، فقد أورد الزركشي في البرهان مذهبه ذاك حيث يقول « 1 » : « قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لا تجوز كتابة المصحف - الآن - على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة ، لئلا يوقع في تغيير الجهال » ، ويعقب الزركشي مباشرة على قول العز بقوله : « ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه ، لئلا يؤدي إلى دروس العلم ، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين ، ولن تخلو الأرض من قائم للّه بالحجة » « 2 » .
وقد أسيء فهم مذهب العز ، وخلط بعض الباحثين بينه وبين تعقيب الزركشي عليه دون مبالاة بالتناقض الواضح الذي أدى إليه ذلك الخلط « 3 » ، وقد نقل الدمياطي في الإتحاف ما أورده الزركشي في البرهان مما نقلنا بعضه قبل قليل ، فأورد بعد رأي العز قوله « وهذا كما قال بعضهم لا ينبغي إجراؤه على إطلاقه . . . » « 4 » وهو تصريح منه أن ما جاء في البرهان إنما هو قولان ، وهو إن لم يصرح باسم الزركشي إلا أن عبارته ( كما
هامش
( 1 ) ج 1 ، ص 379 ، وقد حاولت العثور على رأي ابن عبد السلام هذا في أحد كتبه الثلاثة المطبوعة ( الفوائد ، والإشارة ، وقواعد الأحكام ) فلم أوفق .
( 2 ) نقل القسطلاني أيضا ، ( ج 1 ، ص 279 ) رأي العز وتعقيب الزركشي عليه .
( 3 ) منهم الشيخ الزرقاني ( انظر ج 1 ، ص 378 ) ، فقد أورد كلا من قولي العز والزركشي على صعيد واحد لا يفهم منه أنهما قولان متمايزان ، ومنهم د . صبحي الصالح ( انظر ص 280 ) فقد أورد مذهب العز على هذا النحو « لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة ، لئلا يؤدي إلى دروس العلم ، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين . ولن تخلو الأرض من قائم للّه بالحجة » ثم أشار إلى الموضع الذي نقلنا منه رأي العز في البرهان ، وواضح أن الدكتور الصالح قد خلط بين قول العز وتعقيب الزركشي عليه ، ويبدو أن الذي أوقعه في ذلك هو ما حدث له من انتقال نظر عند كلمة ( لئلا ) في القولين فنسي بعضنا من قول العز وألحق به طرفا من تعقيب الزركشي عليه ، فأدى ذلك إلى تناقض في ما أورده ، اضطر أن يقدم لذلك تعليلا ، ليس له مكان لولا ذلك الخلط . ووقع في ذلك الخلط ودافع عنه د . عبد الحي الفرماوي ( ص 280 ) فهو يصر على أن قول الزركشي إنما هو جزء من مذهب العز دون ملاحظة ما يوقعه ذلك من اضطراب وخلط ، ولعل المستقبل يكشف عن رأي العز في أحد كتبه - إن شاء اللّه - فيقطع كل مجال للقول والتمحل والتعسف في التأويل .
( 4 ) ص 9 .