تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
بعض مؤلفات الرسم - المتقدمة منها خاصة - مثل ( هجاء مصاحف الأمصار ) للمهدوي و ( المقنع ) للداني وبعض شروح العقيلة ومورد الظمآن وبعض كتب اللغة ، من مثل تعليل رسم الألف ياء للإمالة ، ورسم الهمزة بأحد حروف العلة الثلاثة للتسهيل ، أو زيادة تلك الحروف في بعض الأحيان للفرق أو حذفها للتخفيف ، ومثل تعليل وصل بعض الكلمات للإدغام ، أو كتابة تاء التأنيث في بعض الأسماء مبسوطة على اللفظ ، ولا يعنينا - هنا - مدى صحة تلك التعليلات وانطباقها على الواقع - مما سنورده ونناقشه فيما بعد - بقدر ما تعنينا سلامة الاتجاه في مناقشة الظواهر الكتابية على أسس لغوية ، وربطها بالظواهر الصوتية للغة « 1 » ، وقد عبر الداني عن هذا الاتجاه بقوله « 2 » : « وليس شيء من الرسم ولا من النقط اصطلح عليه السلف ، رضوان اللّه عليهم ، إلا وقد حاولوا به وجها من الصحة والصواب ، وقصدوا به طريقا من اللغة والقياس ، لموقعهم من العلم ، ومكانهم من الفصاحة . علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم » . ويعلل الداني الوجوه المرسومة على خلاف المشهور من قواعد الهجاء بناء على مذهبه ذاك فيقول « 3 » : « وعلة هذه الحروف ، من الحروف المرسومة على خلاف ما يجري به رسم الكتاب في الهجاء في المصحف ، الانتقال من وجه معروف مستفيض إلى وجه آخر مثله في الجواز والاستعمال ، وإن كان المنتقل عنه أظهر معنى وأكثر استعمالا » . وقد ظل هذا الاتجاه يظهر بصور مختلفة في العصور المتتالية عند بعض الباحثين ، يرددون ما قاله السابقون في تلك الوجوه المختلفة من الرسم ، أو يزيدون احتمالات أخرى جديدة ، إلا أن تلك النظرات الجزئية لم تتكامل يوما لتكوّن نظرة شاملة لفهم المشكلة بكل أبعادها ، فظلت ضائعة في خضم الاحتمالات الكثيرة لتفسير الظاهرة الواحدة ، إلا أننا مع ذلك سنلاحظ أن من بينها ما يمكن أن يساعد في تكوين تفسير صحيح لظاهرة الرسم عامة أو لبعض صور الهجاء خاصة .
هامش
( 1 ) لكل من مكي بن أبي طالب والداني كتاب في بيان علل الرسم ، ( انظر : ص 143 و 144 من هذا الفصل ) لم يصل إلينا منهما شيء ، وربما يكونان أصدق مثال لهذا الاتجاه . ( 2 ) ( المحكم ) ، ص 196 . ( 3 ) انظر : المحكم ، ص 186 . وقد نقل علم الدين السخاوي ( الوسيلة ، ورقة 61 أ ) نص كلام الداني المذكور أعلاه .
رسم المصحف — صفحة 171 | غانم قدوري الحمد