وقد أجمع العلماء على مثل ما ذهب إليه الإمام مالك « 1 » ، فقد قال الداني بعد أن روى رأي مالك السابق « ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة » « 2 » . حتى إن الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 241 ه ) قال : تحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك « 3 » . وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين ( ت 458 ه ) في شعب الإيمان : من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به هذه المصاحف ، ولا يخالفهم فيه ، ولا يغير مما كتبوا شيئا ، فإنهم كانوا أكثر علما ، وأصدق قلبا ولسانا ، وأعظم أمانة منا ، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم « 4 » . وقال اللبيب « 5 » : فما فعله صحابي واحد فلنا الأخذ به والاقتداء بفعله والاتباع لأمره ، فكيف وقد اجتمع على كتاب المصاحف حين كتبوه نحو اثني عشر ألفا من الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين ؟
وقال الزمخشري ( ت 538 ه ) وهو يعقب على رسم لام الجر مفصولة في قوله تعالى :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ( 7 )
[ الفرقان ] « 6 » : وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع الخط العربي ، وخط المصحف سنّة لا تغيّر « 7 » .
وقد تفرّد سلطان العلماء العز بن عبد السلام ( ت 660 ه ) من بين علماء السلف « 8 » في
هامش
( 1 ) وقد قال الجعبري في شرح العقيلة إن ذلك هو مذهب الأئمة الأربعة ( انظر : أحمد بن المبارك :
الإبريز ، ط 1 ، المطبعة الأزهرية المصرية ، 1306 ه ، ص 59 ) .
( 2 ) الداني : المقنع ، ص 10 . وانظر السيوطي : الإتقان ، ج 4 ، ص 146 .
( 3 ) الزركشي : البرهان ، ج 1 ، ص 379 . والسيوطي : الإتقان ، ج 4 ، ص 146 .
( 4 ) السيوطي : الإتقان ، ج 4 ، ص 146 . وانظر القسطلاني : ج 1 ، ص 279 . والمهدوي : ص 75 .
( 5 ) انظر : الدرة الصقيلة ، ورقة 30 ب .
( 6 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 209 . وانظر السيوطي : همع الهوامع ، ج 2 ، ص 243 ، ورسالة في علم الخط ( له ) ، ص 56 . وإتمام الدراية ( له أيضا ) ، ص 132 .
( 7 ) أورد صاحب كتاب الهجاء ( لوحة 2 وما بعدها ) أقوالا للكسائي والزمخشري وابن درستويه وأبي بكر بن مهران في وجوب التزام الرسم العثماني في كتابة المصاحف . وانظر أيضا : الزرقاني ، ج 1 ، ص 370 .
( 8 ) ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني - من قبل - إلى جواز كتابة المصاحف بالإملاء المستعمل في غير المصاحف لأنه - في نظره - لم يرد ما يوجب على الأمة رسما بعينه ويقول : « وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه ، وأنى له ذلك ، ( انظر أحمد بن المبارك : ص 55 ، والزرقاني : ج 1 ، ص ( 373 - 374 ) .