القراءة الحرة
القراءة الحي يجد الباحث المنصف أن قراءة القرآن الكريم قبل جمع عثمان رضي اللّه عنه كانت حرة لم تتقيد بقراءة رسمية مما دعاه إلى اختيار قراءة رسمية ، واستمرت هذه القراءات الحرة حتى القرن الرابع الهجري حيث قام ابن مجاهد ( ت 324 ه ) بحصرها في القراءات السبع .
ونعني بالقراءة الحرة القراءة من دون تعلم وتعليم .
كما ينبغي التنبيه على أن لفظة ( القارئ ) في عصر الرسالة لم تكن تعني قارئ القرآن بالتلاوة بل العالم بالمفاهيم القرآنية والقائم بالقراءة لنفسه وعلى الناس بالتعليم أو الإقراء بتحفيظهم وبذلك لم يعرّف من الألفاظ ( القارئ ) أو ( المقرئ ) أو ( الحافظ ) ، كما هو المفهوم اليوم . وقد نبه على ذلك القسطلاني ( ت 923 ه ) في « شرح البخاري » بقوله : « باب ذكر القراء الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على عهده [ إرشاد الساري 7 / 456 ] .
فلفظة ( القارئ ) في عصر الرسالة كانت ترادف العالم الديني المهتم برسالة الإسلام وبحكم قرب الصحابة من الرسول لم تكن لهم حاجة إلى أكثر من النص القرآني وما شاهدوه من سيرته وما رووه من أخباره .
روى مسلم عن أنس بن مالك قال : « جاء ناس إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالوا : ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام يقرءون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصّفّة وللفقراء فبعثهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا : « اللهم بلّغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا » . قال وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه فقال حرام : « فزت ورب الكعبة » فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأصحابه : « ان إخوانكم قد قتلوا وانهم قالوا : اللهم بلّغ عنا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا » [ صحيح مسلم 6 / 245 ] .
ونعني بالقراءة قراءة النص القرآني شفويا وهذه لم تتحدد معالمها في عصر الرسالة وكثرت الروايات المتضاربة في شأنها حتى حصل الخلاف بين الصحابة وتنازع فيها كبار الصحابة مثل الخليفة الثاني عمر رضي اللّه عنه وأبيّ بن كعب في رواية أخرى .