قال الأردكاني : « عن الكسائي أنه قال في خط المصحف عجائب وغرائب تحيّرت فيها عقول العقلاء وعجزت عنها آراء الرجال البلغاء وكما أن لفظ القرآن معجز فكذلك رسمه خارج عن طوق البشر والحكمة في الرسم أن لا يعتمد القارئ على المصحف بل يأخذ القرآن من أفواه الرجال الآخذين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالسند العالي [ نثر المرجان 1 / 12 ] .
وتناول الزركشي ( ت 797 ه ) بالتفصيل موارد الخلاف وحاول - وأحيانا بتعسف - أن يسندها إلى حكم خفية وأسرار بهية تصدى لها أبو العباس المراكشي الشهير بابن البنّاء ( ت 721 ه ) . . وبين أن هذه الأحرف إنما اختلف حالها بحسب اختلاف معانيها » [ البرهان 1 / 380 ] .
وعلى النقيض من ذلك يرى الداني ( ت 444 ه ) أن الرسم وحده هو السبب للحن في قراءة القرآن قال : « وجهه أن يكون عثمان رضي اللّه عنه أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظها ألا ترى قوله : « أو لا اذبحنه » و « لا أوضعوا » و « من نبإى المرسلين » و « سأوريكم » و « الربوا » وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسم لو تلاه تال لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط لصيّر الإيجاب نفيا ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه مع كون رسم ذلك كذلك جائزا مستعملا . [ المقنع 116 ] .
وأحسن استدلال على أن الرسم ليس توقيفيا ما ذكره ابن خلدون ( ت 806 ه ) وقال :
« وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وخير الخلق من بعده المتلقّون لوحيه من كتاب اللّه وكلامه كما يقتفى لهذا العهد خطّ ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفّلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه يقولون في مثل زيادة الألف في « لا أذبحنّه » إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في « باييد » أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلّا التحكّم المحض وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلّة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزّهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح . واعلم أن
دراسه حول القرآن الكريم — صفحة 157
مساهمون: محمد حسين الحسيني الجلالي
ص١٥٧