وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
[ البقرة : 83 ] فإن امتناعهم عن كل هذا المتعدد من التوحيد والعبادات والأخلاق ، تطلب إضافة معنى جديد وهي الامتناع ثم التولي ثم الإعراض ، ولنا أن نقول : إن إعراضهم كان محرّضا على التولّي عن كل هذه المطالب من غير تردد .
وكذلك قوله عز وجل :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ آل عمران : 23 ] ، فسجل الإعراض للقوم أنفسهم ليفسر به التولي الدائم .
ومنه أيضا قوله عز وجل :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ يس : 21 ] ، وكأن عنوان هذا الفن يوحي بأن البيان القرآني يوغل في المعنى ، وفي رسم المشاهد حتى يكون التصوير واضحا للعيان ، ومؤثّرا بشكل أقوى ، والملحوظ في الآية الأخيرة الإيغال بعد تتميم المعنى ، كما يرى البلاغيون ، ولكن يضاف الاحتراز من ذهاب الإيمان والنفاق فذكر دوام الهداية .
والشواهد التي قدّمها ابن أبي الإصبع تميل إلى المعيار اللغوي دائما ، ولهذا لم يكن منه تخيّل للإيحاءات النفسية التي تضيفها الفاصلة الموغلة ، وهذا نستشفّه في تفسير أبي السّعود الذي سار على خطا الزمخشري ، ففي تفسيره للآية :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
[ الحج : 20 ] يقول :
« والجلود عطف على « ما » وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل ، أو للإشعار بغاية شدّة الحرارة ، بإيهام أن تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها في الظاهر ، مع أن ملابستها على العكس » « 1 » .
هامش
( 1 ) إرشاد العقل السليم : 6 / 101 .