فهو لا يسمّي هذا الفن ، ولا يذكر شواهد شعرية شأن ابن أبي الإصبع ، وهذه طبيعة كتب التفسير البياني المختلفة عن طبيعة كتب الإعجاز والبلاغة ، ولكن يؤخذ عليه هنا تعدّد في الرأي ، فرأيه بين مراعاة الفواصل ، وأهمية معنى الجلود .
ولا شك أن كلمة الجلود هنا تنمّ عن الإحساس بالنار التي تصهر ، وهي كذلك توحي بالفروج ، وما يتصل بها من زنى وقبائح ، وأنّ الوقوف عليها يبعث في روع المرء رهبة ، وقد تبيّن في العلم الحديث أنّ الجلد مستقل بمراكز إحساس ، ولا يتلقّى الإحساس من الباطن .
والمعروف في العلم الحديث أيضا أن إحساسات الألم والحرارة والبرودة أشد ما تكون عند الجلد ، فإذا حقن المرء بإبرة أو غيرها يشعر بذروة الألم عندما تجتاز الإبرة جلده ، ومتى تجاوزت الجلد إلى الأنسجة الداخلية الأخرى يخف الألم ، وهكذا تبين الآية اشتمال العذاب على إيلام الداخل والخارج .
لقد وردت في القرآن فواصل يظنّ أنها زائدة ، وفائدتها تكمن في إحكام الصورة الفنية ، وهذا ليس ببعيد عن معنى الإيغال الذي ذكره لنا ابن أبي الإصبع .
وهذه الفاصلة قد تقع من جهة الإعراب صفة للكلمة التي تكون قبلها ، فتعطيها إيغالا ، وزيادة تأثير ، ومن هذا قوله تعالى :
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
[ المدثر : 50 ] ، فإنّ هذه الفاصلة أضافت إلى غباء الحمر ضعفها ، فهي تهرب من اللّيث ، وهذا يصوّر مقدار إنكار الكفار وتهربهم من الرسالة السماوية .
وكذلك قوله تعالى :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
[ الليل : 14 ] فالفاصلة توحي باستدامة هذه النار ، والفاعلية تضاف إلى الماهيّة ، وهذه صفات حسية تسهم في تأطير الصورة المرئية وتكمل عناصرها .