النساء أو العلاقة بين الرجل والمرأة ، كما سنعرض لشواهد تتصل بالتهذيب في أمور في الحياة عامة ، جنح فيها البيان القرآني إلى الرمز والإيجاز والترفع بغية المحافظة على سموّ الخطاب السماوي ، وسندرس هذه الشواهد وفق المناهج الأدبية المعاصرة التي تطلق للمفردة آفاقا بعيدة ، ولكن من غير تقوّل ، وذلك بعد عرض إنارة الدارسين السابقين .
أ - في قضايا النساء :
كثيرة هي الإيماءات التهذيبية التي تتعلق بالمعنى الجنسي أو العلاقة بين الرجل والمرأة ، بل إن القرآن الكريم يطلق ويقيّد في سبيل التعبير الرصين الهادئ المعبر عن المعنى ذاته ، ومن هذا اختيار المسّ لمعنى الاتصال الجنسي العام ، واختيار النكاح لمعناه في الزواج .
وقال عز وجل :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
[ البقرة : 237 ] فههنا المس كناية عن الجماع ، وفيه ما فيه من تكريم المرأة ، والإشعار برهافة حسّها ، وقال تعالى :
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
[ مريم : 20 ] حكاية عن مريم عليها السلام ، وقد تأمل الزمخشري هذه الآية قائلا : « جعل المس عبارة عن النكاح الحلال ، لأنه كناية عنه كقوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
[ الأحزاب : 49 ] و
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[ النساء : 43 ] ، والزنى ليس كذلك ، وإنما يقال فيه : فجر فيها ، وخبث فيها ، وما أشبه ذلك ، وليس بقمين أن تراعى فيه الكنايات والآداب » « 1 » .
ولا يبدو من سياق آية مريم أنها عليها السلام تريد أن تنفي الزواج ، فهو أمر عادي لا يناصبه المجتمع أي عداء ، بل كانت تنفي الزنى ، فليس الأمر كما رأى الزمخشري ، ولكنها عبرت عن الزنا بشيء من لوازمه وهو مس الجسد ، حتى كأنما العدول عن ( يمسّني ) بالشدة يوحي باستبعاد هذه
هامش
( 1 ) الكشاف : 3 / 638 .