ويكاد يقصر علماء البلاغة جمالية الكناية التي هي رأس فيما ذكرنا من مصطلحات على التجنب بلفظها عن لفظ مستكره قبيح ، قال الثعالبي :
« هذا الكتاب خفيف الحجم ثقيل الوزن ، صغير الجرم ، كبير الغنم ، في الكنايات عما يستهجن ذكره ، ويستقبح نشره ، أو يستحيا من تسميته ، أو يتطير منه ، أو يترفع عنه ويصان عنه بألفاظ مقبولة تؤدي المعنى ، وتفصح عن المغزى ، وتحسن القبيح ، وتلطف الكثيف » « 1 » .
ويوضح الجرجاني أحمد بن محمد ( - 482 ه ) بعد التهذيب في الكناية قائلا : « واعلم أن الأصل في الكنايات عبارة الإنسان عن الأفعال التي تستر عن العيون عادة بألفاظ تدل عليها غير موضوعة لها تنزّها عن إيرادها على جهتها ، وتحرزا عما وضع لأجلها ، إذ الحاجة إلى ستر أقوالها كالحاجة إلى ستر أفعالها ، فالكناية عنها حرز لمعانيها » « 2 » .
جمالية التهذيب تعني صلة وثيقة وروابط وشيجة بين الفن والأخلاق ، وهذا أمر طبيعي في كتاب سماوي يدعو إلى الهداية ، فالقرآن الكريم يدعو إلى التحضر في المعيشة والتفكير ، بل في التعبير عن المعيشة ، خصوصا أن بذاءة اللسان من خصال النفاق ، قال عليه الصلاة والسلام :
« الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق » « 3 » .
هذا من حيث الخلق ، وتعود أهمية هذه الدراسة من حيث الفن إلى تبيين وجه من وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم ، فلا شك أن طابع التهذيب وترك المحظور من الألفاظ مما يتصل بالنكاح وغيره كل هذا يدل على تمكّن من الفروق اللغوية ، إذ تختار كلمة مناسبة يترفع بها القارئ
هامش
( 1 ) النهاية في فن الكناية ، الثعالبي ، ص / 220 .
( 2 ) المنتخب من كنايات الأدباء ، الجرجاني ، ص / 4 .
( 3 ) الترمذي ، البر والصلة ، ح ( 2028 ) .