فالنص في هاتين الآيتين الكريمتين خبر ، والغرض منه الإنشاء ، فإن اللّه تعالى يقول في هذه السورة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
« 1 » وقد أراد أن يضع حدّا لهذا الأمر المطلق فإنه يوجب الثبات في جميع الأحوال أيّا كان عدد المسلمين وعدد من يقاتلهم .
فالآية الأولى تحدد ما يجب الثبات أمامه بعشرة الأمثال ، ولم يأت في ذلك بالأمر الصريح كما جاء قبله ( اثبتوا ) بل جاء به على صورة الخبر ، لأن المراد بعث الحمية في أنفسهم وإلهاب الغيرة في صدورهم .
ثم جاءت الآية الثانية معنونة بعنوان التخفيف ، إذ علم اللّه فيهم ضعفا . والمراد بالعلم هنا الظهور ، يعنى أنه قد ظهر فيهم ضعف لم يكن ، لأنه لو كان سابقا لكان اللّه قد علمه موجودا ، ولم يكن محلّ التشريع السابق ، فهذا الضعف الحادث هو الذي اقتضى التخفيف . فإذا قلنا : إن نسبة الآية الثانية هي نسبة النص المخفف لعارض مع بقاء حكم النص الأول عند زوال العارض ، كان حكمها حكم العزيمة مع الرخصة ، ولم يقل أحد : إن الرخصة تنسخ العزيمة ، فآية التيمم لم تنسخ آية الوضوء . فإذا لم يكن بفئة هذا الضعف الذي ذكره اللّه سببا للتخفيف كان عليها أن تثبت لعشرة أمثالها .
ويؤيد هذا أن العشرين المذكورة في النص الأول موصوفة بالصابرين ، وكذلك المائة ، فمتى وجدت صفة الصبر ثبت الحكم الأول ، والصبر من لوازمه المتقدمة عليه القوة المادية وقوة القلب المعنوية .
وإذا قلنا : إن النص الثاني عام في جميع الأحوال كان النص الأول منسوخا وهذا بعيد « 2 » . فالآيتان محكمتان وليس فيهما نسخ واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال الآية : 45 .
( 2 ) نظرات في القرآن لأستاذى الشيخ محمد الغزالي 255 ، 256 .