أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم لعلة الضعف والقلة ، ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم لعلة القوة والكثرة . ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودا ، وعدما وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا .
4 - اشتباه البيان عليهم بالنسخ في مثل قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
« 1 » .
فإن منهم من توهم أنه ناسخ لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
« 2 » .
قال ابن العربي المالكي رحمه اللّه « 3 » :
. . . أما من قال : إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه لأن اللّه تعالى يقول :
فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
وهو الجائز الحسن وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
فكيف ينسخ الظلم المعروف ؟ بل هو تأكيد له في التجويز لأنه خارج عنه مغاير له ، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه ، وهذا أبين من الإطناب . اه .
5 - توهمهم وجود تعارض بين نصين على حين أنه لا تعارض في الحقيقة والواقع ، لكن حينما يعجزون عن الجمع والتوفيق بينهما يقولون بالنسخ .
قال الإمام الشاطبى رحمه اللّه « 4 » :
الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية : 6 .
( 2 ) سورة النساء الآية : 10 .
( 3 ) أحكام القرآن له 1 / 325 ، ومناهل العرفان 2 / 150 ، 151 .
( 4 ) الموافقات 3 / 108 .