ذلك يبين لهم المحرمات من المآكل نصا وتحديدا باستعمال أداة القصر ( إنما ) .
" إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ "
« 1 » . ونلاحظ أن الضمير جاء مباشرا ( عليكم ) بعكس الخطاب مع غيرهم ( حسرات عليهم ) . ويرتبط الحديث عن الحلال والحرام بما سبقه وما لحقه ؛ فقبله يأتي الحديث عن العبادة وخلوصها للّه عز وجل
" إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "
، وبعد آية التحريم تأتي الحديث عن اليهود وكتمانهم بعض ما أنزل اللّه في الكتاب ، والعلاقة هي أن التحليل والتحريم له علاقة بالعقيدة والعبادة ، فالطيب ما رآه الشرع طيبا والخبيث ما رآه خبيثا ، ومن ثم فإذا اضطر العبد لشيء من ذلك الخبيث أو الممنوع يأتي فاصلة الآية مناسبة
" إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ "
. ولقد جادل اليهود جدالا كثيرا حول ما أحله القرآن وما حرمه ، فقد كانت هناك محرمات على اليهود خاصة وردت في سورة أخرى « 2 » ، فيما كانت هذه مباحة للمسلمين ، ولعلهم جادلوا في هذا الحل ومن ثم نجد حملة قوية على الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ، . . . . . . "
. « 3 » . وتنسيقا للمشهد في السياق فقد أطعمهم في بطونهم نارا ، وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم وتعبير آخر موح
" أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ "
« 4 » ، وهي الصفقة ذاتها التي مضت قبلا ، صفقة الهدى والضلالة التي تمايز بين أصناف المخاطبين في هذه السورة . وأخيرا وفي
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 173 ) .
( 2 ) الآية هي :" وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ "سورة ( الأنعام ) ، الآية ( 146 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 174 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 175 ) .