سمعت مجرد صوت لا تفقه ما ذا يعني ، بل هم أضل من البهيمة ، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح وهم صم بكم عمي :
" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ "
« 1 » . وينص الوصف التشبيهي ضمن الإطار العام للسياق ليأخذ دلالته المناسبة كما يشير ( بلاك ) « 2 » . وهذا الوصف يرجعنا إلى الآية السابقة في السورة إلى صورة الذين ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى بصرهم غشاوة ، صم بكم عمي ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون .
وحين كان الخطاب يتوجّه إلى المؤمنين خاصة ، أو يصفهم نجد خصائصهم تتجلى في الصيغ اللغوية للنص ، كما في اسم التفضيل الوارد في الآية ( 165 )
" وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ "
وهو تعبير جميل يعكس تلك الصلة الوشيجة بين المؤمنين وربهم ، وحين خاطب اللّه الناس جميعا يدعوهم إلى التمتع بالطيبات قال :
" يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ "
« 3 » . وحين خاطب المؤمنين خاصة قال :
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "
« 4 » . ففرق ما بين
( مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً )
وبين
( مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ )
. فكأنما هما دائرتان للاختيار وليست دائرة واحدة ، الأولى تشمل جميع الحلال الطيب في الأرض ، والثانية من طيبات هذا الحلال الطيب ، والخطاب في الأولى ي
( يا أَيُّهَا النَّاسُ )
، وفي الثانية بالنداء الحبيب الجميل
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا "
واقترن الأكل في الأولى بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان ، واقترن في الثانية بالشكر ، ثم بعد
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 171 ) .
( 2 ) صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، ص 219 .
( 3 ) سورة البقرة الآية ( 168 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 172 ) .