1 - موضوع الخطاب
هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة ، وتضم عدة موضوعات ، ولكنّ المحور الذي يجمعها كلّها محور واحد مزدوج ، يترابط الخطّان الرئيسان فيه ترابطا شديدا ؛ فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلاميّة في المدينة ، واستقبالهم لها ، ومواجهتهم لرسولها - صلّى اللّه عليه وسلّم - وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها ، وسائر ما يتعلّق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القويّة بين اليهود والمنافقين من جهة ، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أوّل نشأتها ، وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض ، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها ، ونقضهم لعهد اللّه ، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم عليه السلام ، وتبصير الجماعة المسلمة ، وتحذيرها من العثرات التي سبّبت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم ، وكلّ موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيّه الرئيسين .
ولكي يتّضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة ، وبين خط سير الدعوة أوّل العهد بالمدينة ، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى ، يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لموجهتها ابتداء .
لقد تمّت هجرة الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدّره اللّه لها ، وكان موقف قريش العنيد من الدعوة في ( مكة ) خاصّة بعد وفاة خديجة وموت أبي طالب - قد أدّى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكّة وما حولها ، ومن ثمّ كان بحث الرسول عن قاعدة أخرى غير مكّة ، تحمي العقيدة وتكفل لها الحريّة ، وبعد محاولات إلى الحبشة والطائف فتح اللّه على الرسول الكريم ، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية « 1 » ، وهما ذواتا صلة قويّة بالموضوع الذي نعالجه في مقدّمة هذه السورة ،
هامش
( 1 ) انظر تهذيب سيرة ابن هشام .