وكان هدبة هذا من شياطين عذرة ، وهذا شعره كما ترى ، وقد أمر بضرب عنقه وشدّ خناقه . وقليلا ما ترى مثل هذا الشّعر عند مثل هذه الحال ؛ وإنّ امرأ مجتمع القلب ، صحيح الفكر ، كثير الرين ، عضب اللّسان في مثل هذه الحال ، لناهيك به مطلقا غير موثق ، وادعا غير خائف . ونعوذ باللّه من امتحان الأخيار .
وهو القائل في تلك الحال « 1 » : [ من الطويل ]
فلا تعذليني لا أرى الدّهر معتبا * إذا ما مضى يوم ولا اللّوم مرجعا
ولكن أرى أنّ الفتى عرضة الرّدى * ولاقي المنايا مصعدا ومفرّعا « 2 »
وإن التّقى خير المتاع وإنما * نصيب الفتى من ماله ما تمتّعا
فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا * أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا للحييه على عظم زوره * إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
وأخرى إذا ما زار بيتك زائر * زيالك يوما كان كالدّهر أجمعا « 3 »
سأذكر من نفسي خلائق جمّة * ومجدا قديما طالما قد ترفّعا
فلم أر مثلي كاويا لدوائه * ولا قاطعا عرقا سنونا وأخدعا
وما كنت ممن أرّث الشرّ بينهم * ولا حين جدّ الشّرّ ممّن تخشّعا
وكنت أرى ذا الضّغن ممّن يكيدني * إذا ما رآني فاتر الطّرف أخشعا
وما قرأت في الشّعر كشعر عبد يغوث بن صلاءة الحارثيّ ، وطرفة بن العبد ، وهدبة هذا ، فإنّ شعرهم في الخوف لا يقصّر عن شعرهم في الأمن « 4 » . وهذا قليل جدّا .
هامش
( 1 ) ديوان هدبة بن الخشرم 105 - 108 .
( 2 ) مفرعا : منحدرا .
( 3 ) زيالك : من المزايلة ، وهي المفارقة والمبارحة .
( 4 ) انظر مثل هذا القول في البيان 2 / 268 .