ورووا قوله [ 1 ] : [ من الكامل ]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر * لمع العقيقة جنح ليل مظلم [ 2 ]
وقال عوف بن الخرع : [ من الطويل ]
يردّ علينا العير من دون أنفه * أو الثّور كالدّرّي يتبعه الدّم
وقال الأفوه الأودي [ 3 ] : [ من الرمل ]
كشهاب القذف يرميكم به * فارس في كفّه للحرب نار
وقال أميّة بن أبي الصّلت [ 4 ] : [ من الكامل ]
وترى شياطينا تروغ مضافة * ورواغها شتّى إذا ما تطرد [ 5 ]
يلقى عليها في السّماء مذلّة * وكواكب ترمى بها فتعرّد [ 6 ]
قلنا لهؤلاء القوم : إن قدرتم على شعر جاهليّ لم يدرك مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا مولده فهو بعض ما يتعلّق به مثلكم ، وإن كان الجواب في ذلك سيأتيكم إن شاء اللّه تعالى . فأما أشعار المخضرمين والإسلاميّين فليس لكم في ذلك حجّة . والجاهليّ ما لم يكن أدرك المولد ، فإنّ ذلك ممّا ليس ينبغي لكم أن تتعلّقوا به . وبشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم شهد الفجار ، وقال : « شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي وأنا غلام » [ 7 ] .
والأعلام ضروب ، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب ، لكون الصّفة إذا واقفت الصّفة التي لا يقع مثلها اتفاقا وعرضا لزمت فيه الحجة ، وضروب أخر كالإرهاص للأمر ، والتأسيس له ، وكالتعبيد والترشيح [ 8 ] ، فإنّه قلّ نبيّ إلّا وقد حدثت عند مولده ، أو قبيل مولده ، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها . وعند ذلك
هامش
[ 1 ] سيذكر الجاحظ هذا البيت ص 460 .
[ 2 ] العقيقة : البرق إذا رأيته وسط السحاب كأنه سيف مسلول .
[ 3 ] ديوان الأفوه الأودي 12 ، والحماسة البصرية 1 / 49 .
[ 4 ] ديوان أمية بن أبي الصلت 361 .
[ 5 ] تروغ : تميل . المضاف : الخائف .
[ 6 ] التعريد : الإحجام والفرار . التقديد : التقطيع .
[ 7 ] النهاية 3 / 414 ، 5 / 10 ، وعمدة الحفاظ 2 / 204 ( فجر ) . وانظر لحرب الفجار : الأغاني 22 / 54 - 74 ، وأيام العرب في الجاهلية 322 - 341 .
[ 8 ] التعبيد : التمهيد والتذليل . الترشيح : التهيئة للشيء .