نصفه ، ولا يأخذه إلا قمحا . فلو لا أن مع قدم هذا الجنديّ ضروبا مما يهزّه وينجّده [ 1 ] ويدعو إليه ويغريه - ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى يديه ، أو فقئت إحدى عينيه .
ولم وقع عليه إذا اسم شيطان ، ومارد ، وعفريت ، وأشباه ذلك ؟ ! ولم صار الإنسان يسمّى بهذه الأسماء ، ويوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من كلّ ما هم عليه ؟ ! .
وقالوا في باب آخر من الطّعن غير هذا ، قالوا في قوله تعالى :
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[ 2 ] فقالوا : قد دلّ هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيّعة حتّى حصّنت بعد . فقد وصفتم اللّه تعالى بالتّضييع والاستدراك ! .
قلنا : ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرّا قط أو هجموا على خبر إن أشاعوه فسد به شيء من الدّين . وللملائكة في السّماء تسبيح وتهليل ، وتكبير وتلاوة ، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم .
وقد يستقيم أن يكون العفريت يكذب ويقول : سمعت ما لم يسمع ومتى لم يكن على قوله برهان يدلّ على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كلّ متنبئ وكاهن .
فإن صدقه مصدق بلا حجّة فليس ذلك بحجّة على اللّه وعلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
1826 - [ المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام ]
وذهب بعضهم في الطّعن إلى غير هذه الحجّة ، قالوا : زعمتم أن اللّه تعالى جعل هذه الرّجوم للخوافي حجّة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكيف يكون ذلك رجما ، وقد كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيّا ، وذلك موجود في الأشعار . وقد قال بشر بن أبي خازم في ذلك [ 3 ] : [ من الطويل ]
فجأجأها من أول الرّيّ غدوة * ولمّا يسكّنه من الأرض مرتع [ 4 ]
بأكلبة زرق ضوار كأنّها * خطاطيف من طول الطريدة تلمع [ 5 ]
هامش
[ 1 ] ينجده : يجعله ذا نجدة ، والنجدة : الشجاعة .
[ 2 ] 9 / الجن : 72 .
[ 3 ] ديوان بشر بن أبي خازم 121 ( 146 ) .
[ 4 ] جأجأها : دعاها إلى الشرب . المرتع : المرعى الخصيب .
[ 5 ] زرق : زرق العيون ، الضواري : الكلاب التي اعتادت الصيد . الخطاطيف : جمع خطاف - بضم الخاء - وهي الحديدة الحجناء ، شبه بها الكلاب لدقتها وضمورها .