تركيبها ، ومواضع أعضائها . والقول فيهما شبيه بالقول في التّدرج والنّعامة .
وقد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن ، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم ، ولا حسّ ثاقب ، ولا معرفة عجيبة ، ولا صنعة لطيفة . ومنه ما يكون كالببغاء ، والنحلة ، والحمامة ، والثعلب ، والدّرّة [ 1 ] ، ولا تكون الأعجوبة في تصويره ، وتركيب أعضائه ، وتنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها ، أو يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة ، والأصوات الشجيّة المطربة ، والمخارج الحسنة - مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة ، أو في صنعة الكفّ اللطيفة ، والهداية الغريبة ، أو المرفق النافع ، أو المضرّة التي تدعو إلى شدّة الاحتراس ، ودقة الاحتيال ، فيقدّم في الذكر لذلك .
1332 - [ العقعق ]
وأيّ شيء أعجب من العقعق [ 2 ] وصدق حسّه ، وشدّة حذره ، وحسن معرفته ، ثم ليس في الأرض طائر أشدّ تضييعا لبيضه وفراخه منه . والحبارى مع أنها أحمق الطير ، تحوط بيضها أو فراخها أشدّ الحياطة [ 3 ] ، وبأغمض معرفة ، حتى قال عثمان بن عفان ، رضي اللّه عنه : « كلّ شيء يحب ولده حتى الحبارى » [ 4 ] . يضرب بها المثل في الموق [ 5 ] .
ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب ، وبسرعة الخطف ، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ينتفع به ، فكم من عقد ثمين خطير ، ومن قرط شريف نفيس ، قد اختطف من بين أيدي قوم ، فإمّا رمى به بعد تحلّقه في الهواء ، وإما أحرزه ولم يلتفت إليه أبدا .
وزعم الأصمعيّ أنّ عقعقا مرة استلب سخابا [ 6 ] كريما لقوم ، فأخذ أهل السّخاب أعرابيّة كانت عندهم ، فبينما هي تضرب ، وتسحب وتسبّ إذ مرّ العقعق
هامش
[ 1 ] الدّرّة : الببغاء . « حياة الحيوان 1 / 478 » .
[ 2 ] العقعق : طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب . « حياة الحيوان 2 / 67 » .
[ 3 ] وردت هذه الفقرة من قوله « وأي شيء أعجب » في ثمار القلوب ( 701 ) ، وربيع الأبرار 5 / 449 .
[ 4 ] الحديث في النهاية 1 / 328 ، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 2 / 146 ، والمستقصى 2 / 227 .
[ 5 ] الموق : حمق في غباوة .
[ 6 ] السخاب : القلادة ، والخبر مع البيت التالي في ربيع الأبرار 5 / 449 .