ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكيّ الرؤساء والرّقباء إنما علته المعرفة - لم يكن للغرانيق والكراكيّ في المعرفة فضل على الذّر والنمل ، وعلى الذّئب والفيل ، وعلى الثعلب والحمام .
أما الغنم فهي أغثر وأموق [ 1 ] من أن تجري في باب هذا القول .
وقد تخضع الحيات للحية ، والكلاب للكلب ، والدّيوك للديك ، حتى لا تروّمه [ 2 ] ولا تحاول مدافعته .
1535 - [ هيبة الكلاب ]
ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلب الحديث ، فلما صرت في مربّعة المحلّة ، ثار إليّ عدّة من الكلاب ، من ضخامها ، ومما يختاره الحرّاس . فبينا أنا في الاحتيال لهنّ وقد غشينني إذ سكتن سكتة واحدة معا ، ثم أخذ كل واحد في شقّ كالخائف المستخفي ، وسمعت نغمة [ 3 ] إنسان ، فانتهزت تلك الفرصة من إمساكهنّ عن النّباح ، فقلت : إنّ هاهنا لعلّة إذ أقبل رجلان ومعها كلب أزبّ [ 4 ] ضخم دوسر [ 5 ] ، وهو في ساجور [ 6 ] ، ولم أر كلبا قط أضخم منه ، فقلت : إنهنّ إنما أمسكن عن النّباح وتسترن ، من الهيبة له ! وهي مع ذلك لا تتخذ رئيسا .
1536 - [ سادة الحيوان ]
وروي عن عبّاد بن صهيب ، عن عوف بن أبي جميلة ، عن قسامة بن زهير قال :
قال أبو موسى [ 7 ] : « إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة » . فقال بعضهم : سادة النمل : المتقدّمات .
وهذا تخريج ، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا .
ولو كان اتخاذ الرئيس من النحل ، والكراكيّ ، والغرانيق [ 8 ] ، والإبل ، والحمير ،
هامش
[ 1 ] الغثر والموق : الحمق .
[ 2 ] أي تكفيه مئونة الطلب .
[ 3 ] النغمة : الكلام الخفي .
[ 4 ] الأزب : الكثير الشعر .
[ 5 ] الدوسر : الضخم الشديد .
[ 6 ] الساجور : القلادة التي توضع في عنق الكلب .
[ 7 ] هو أبو موسى الأشعري كما تقدم قوله في 4 / 269 ، الفقرة ( 953 ) .
[ 8 ] انظر الحاشية الأولى ص 223 .