وأحداق عيونهم ، وألوان شعورهم ، سبيل الاعتدال - لا تكون عقولهم وقرائحهم إلا على حسب ذلك . وعلى حسب ذلك تكون أخلاقهم وآدابهم ، وشمائلهم ، وتصرّف هممهم في لؤمهم وكرمهم ، لاختلاف السّبك وطبقات الطبخ . وتفاوت ما بين الفطير والخمير [ 1 ] ، والمقصّر والمجاوز - وموضع العقل عضو من الأعضاء ، وجزء من تلك الأجزاء - كالتفاوت الذي بين الصّقالبة والزّنج [ 2 ] .
وكذلك القول في الصور ومواضع الأعضاء . ألا ترى أن أهل الصين والتّبّت ، حذّاق الصناعات ، لها فيها الرّفق والحذق ، ولطف المداخل ، والاتساع في ذلك ، والغوص على غامضه وبعيده . وليس عندهم إلا ذلك ؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات ولا يفتح لهم في سوى ذلك .
1277 - [ تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس ]
قال : وكان يخطّئهم في قولهم : إن الحرارة تورث اليبس ، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة ، وتولّد ما يشاكلها . ولا تولد ضربا آخر مما ليس منها في شيء . ولو جاز أن تولّد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك الخلاف بأحقّ من خلاف آخر . إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز : فقد يقول الرجل : إنما رأيتك لأني التفتّ . وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك [ 3 ] ، عند ذلك الالتفات .
وكذلك يقول : قد نجد النار تداخل ماء القمقم [ 4 ] بالإيقاد من تحته ، فإذا صارت النار في الماء لابسته ، واتصلت بما فيه من الحرارات ، والنار صعّادة - فيحدث عند ذلك للماء غليان ؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه . وحركتها تصعّد . فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرّطوبات التي قد لابستها ؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء ، صعدت أجزاء الرطوبات
هامش
- وأما من أنضجتهم الأرحام فهم سكان الأقاليم الثالث والرابع والخامس ، وأما من جاوزت أرحامهم حد الإنضاج فهم سكان الإقليمين الأول والثاني ، وهم الزنوج ، انظر ما تقدم 3 / 119 ، ومقدمة ابن خلدون 73 .
[ 1 ] الفطير : ما يختبز من ساعته قبل أن يختمر ، والخمير : ما ترك حتى اختمر .
[ 2 ] جعل الصقالبة والزنج متضادات ، أي أن الصقالبة لم تنضجهم الأرحام ، أما الزنج فقد زادت الأرحام في إنضاجهم .
[ 3 ] الدرّاك : المدرك .
[ 4 ] القمقم : ضرب من الأواني ، وهو من نحاس وغيره ، يسخن فيه الماء ؛ ويكون ضيق الرأس .