ووجدنا كلّ ذلك إما ضارّا وإما نافعا ، وإما غاذيا وإما قاتلا ، وإما مؤلما وإما ملذّا .
وليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة ، ومنتنة أو طيبة أحقّ بأن يكون علة لكون اليبس والبرد ، والحر والرطوبة ، من أن يكون كون الرطوبة واليبس ، والحر والبرد - علّة لكون اللون والطعم والرائحة .
وقد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة ، والأجسام المشاركة هجوما واحدا ، على هذه الحلية والصورة ألفاها الأول والآخر .
قال : فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسّة [ 1 ] ، وحدها ونحن لم نر من البلّة ، أو من اليبس نفعا ولا ضرّا ، تنفرد به دون هذه الأمور ؟ ! .
قال : والهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت ومن فوق ، ومن الأجرام المشتملة عليه والمخالطة له . وهو جسم رقيق ، وهو في ذلك محصور ، وهو خوّار سريع القبول . وهو مع رقّته يقبل ذلك الحصر ؛ مثل عمل الريح والزّقّ [ 2 ] ، فإنها تدفعه من جوانبه ، وذلك لعلة الحصر ولقطعه عن شكله .
والهواء ليس بالجسم الصعاد ، والجسم النّزّال ، ولكنه جسم به تعرف المنازل والمصاعد .
والأمور ثلاثة : شيء يصعد في الهواء ، وشيء ينزل في الهواء ، وشيء مع الهواء . فكما أن الصاعد فيه ، والمنحدر - لا يكونان إلا مخالفين ، فالواقع معه لا يكون إلا موافقا .
ولو أنّ إنسانا أرسل من يده - وهو في قعر الماء - زقّا [ 2 ] منفوخا ، فارتفع الزّقّ لدفع الريح التي فيه ، لم يكن لقائل أن يقول : ذلك الهواء شأنه الصعود بل إنما ينبغي أن يقول : ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره ، ولا يقيم في غير جوهره ؛ إلا أن يقول : من شأنه أن يصعد في الماء ، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء ، وكما أن الماء يطلب تلاد الماء ، والهواء يطلب تلاد الهواء .
قالوا : والنار أجناس كثيرة مختلفة . وكذلك الصاعد . ولا بدّ إذا كانت مختلفة
هامش
[ 1 ] أي حاسة اللمس .
[ 2 ] المزق : أي الهواء المحصور في الزق ، والزق : السقاء والقربة .