والقباب الخضر ، والشّرف على حيطان الدار ، وكالعقد على الدّهليز وما أشبه ذلك ، فقال بعض من حضر : « كتب الحكماء وما دوّنت العلماء من صنوف البلاغات والصّناعات ، والآداب والإرفاق « 1 » ، من القرون السابقة والأمم الخالية ، ومن له بقيّة ومن لا بقيّة له ، أبقى ذكرا وأرفع قدرا وأكثر ردّا ، لأنّ الحكمة أنفع لمن ورثها ، من جهة الانتفاع بها ، وأحسن في الأحدوثة ، لمن أحبّ الذكر الجميل » .
42 - [ طمس آثار الأمم السالفة ]
والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر ؛ لأنّ من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم ، وأن يميتوا ذكر أعدائهم ، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون ، كذلك كانوا أيّام العجم وأيّام الجاهليّة . وعلى ذلك هم في أيّام الإسلام ، كما هدم عثمان صومعة غمدان ، وكما هدم الآطام « 2 » التي كانت بالمدينة ، وكما هدم زياد كلّ قصر ومصنع كان لابن عامر ، وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات « 3 » لبني مروان .
43 - [ تاريخ الشعر العربي ]
وأما الشعر فحديث الميلاد ، صغير السنّ ، أوّل من نهج سبيله ، وسهّل الطريق إليه : امرؤ القيس بن حجر ، ومهلهل بن ربيعة . وكتب أرسطاطاليس ، ومعلّمه أفلاطون ، ثم بطليموس ، وديمقراطس ، وفلان وفلان ، قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور ، والأحقاب قبل الأحقاب .
ويدلّ على حداثة الشعر ، قول امرئ القيس بن حجر : [ من المنسرح ]
إنّ بني عوف ابتنوا حسنا * ضيّعه الدّخللون إذ غدروا « 4 »
أدّوا إلى جارهم خفارته * ولم يضع بالمغيب من نصروا « 5 »
هامش
( 1 ) الإرفاق : جمع رفق ، وهو ما استعين به . اللسان : رفق .
( 2 ) الآطام : جمع أطم . وهو كل بيت مربع مسطّح ، وقيل : هو حصن مبني بحجارة ، أو أبنية مرتفعة كالحصون . اللسان : أطم .
( 3 ) الشامات : كورة كبيرة من نواحي نيسابور ، اجتاز بها عبد الله بن عامر بن كريز ، فرأى هناك سباخا فقال : ما هذه الشامات ؟ فسميت بذلك . وفيها ما يزيد على « 300 » قرية . ( البلدان 3 / 311 ) ، وقيل : الشامات خمس ، فلسطين ومدينتها بيت المقدس ، والأردن ومدينتها طبرية ، والغوطة ومدينتها دمشق ، وحمص ، وقنسرين ومدينتها حلب . ( العقد الفريد 6 / 251 - 252 ) .
( 4 ) ديوان امرئ القيس 132 - 133 .
( 5 ) الخفارة : الذمة والعهد .