يقلّل ، وأظهر ولم يخف ، وجعل آلة البيان التي بها يتعارفون معانيهم ، والتّرجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم ؛ في أربعة أشياء ؛ وفي خصلة خامسة ؛ وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها ، فقد تبدّل بجنسها الذي وضعت له وصرفت إليه ، وهذه الخصال هي : اللفظ ، والخطّ ، والإشارة ، والعقد ؛ والخصلة الخامسة ما أوجد من صحّة الدّلالة ، وصدق الشهادة ووضوح البرهان ، في الأجرام الجامدة والصامتة ، والساكنة التي لا تتبيّن ولا تحسّ ، ولا تفهم ولا تتحرّك إلّا بداخل يدخل عليها ، أو عند ممسك خلّي عنها ، بعد أن كان تقييده لها .
ثمّ قسّم الأقسام ورتّب المحسوسات ، وحصّل الموجودات ، فجعل اللفظ للسامع ، وجعل الإشارة للناظر ، وأشرك الناظر واللامس في معرفة العقد ، إلّا بما فضّل اللّه به نصيب الناظر في ذلك على قدر نصيب اللامس . وجعل الخطّ دليلا على ما غاب من حوائجه عنه ، وسببا موصولا بينه وبين أعوانه ؛ وجعله خازنا لما لا يأمن نسيانه ، ممّا قد أحصاه وحفظه ، وأتقنه وجمعه ، وتكلف الإحاطة به ؛ ولم يجعل للشام والذائق نصيبا .
21 - [ خطوط الهند ]
ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير والبسيط ، ولبطلت معرفة التضاعيف ، ولعدموا الإحاطة بالباورات وباورات الباورات ، ولو أدركوا ذلك لما أدركوه إلّا بعد أن تغلظ المئونة ، وتنتقض المنّة ، ولصاروا في حال معجزة وحسور ، وإلى حال مضيعة وكلال حدّ ، مع التشاغل بأمور لولا فقد هذه الدّلالة لكان أربح لهم ، وأردّ عليهم ، أن يصرف ذلك الشغل في أبواب منافع الدين والدنيا .
22 - [ نفع الحساب ]
ونفع الحساب معلوم ، والخلّة في موضع فقده معروفة . قال اللّه تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
« 1 » . ثم قال :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 2 » . وبالبيان عرف الناس القرآن . وقال اللّه تبارك وتعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 3 »
هامش
( 1 ) الرحمن / 55 : 4 .
( 2 ) الرحمن / 55 : 5 .
( 3 ) يونس / 10 : 5 .