تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
بينهم وبين العجز ، إلّا بعدم الأعيان ، إذ كان العجز صفة من صفات الخلق ، ونعتا من نعوت العبيد . لم يخلق اللّه تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من سخّر له ، فأدناهم مسخّر لأقصاهم ، وأجلّهم ميسّر لأدقّهم . وعلى ذلك أحوج الملوك إلى السّوقة في باب ، وأحوج السّوقة إلى الملوك في باب ، وكذلك الغنيّ والفقير ، والعبد وسيّده . ثمّ جعل اللّه تعالى كلّ شيء للإنسان خولا ، وفي يده مذلّلا ميسّرا إمّا بالاحتيال له والتلطّف في إراغته واستمالته ، وإمّا بالصّولة عليه ، والفتك به ، وإمّا أن يأتيه سهوا ورهوا . على أنّ الإنسان لولا حاجته إليها ، لما احتال لها ، ولا صال عليها . إلّا أنّ الحاجة تفترق في الجنس والجهة والجبلّة ، وفي الحظّ والتقدير . ثمّ تعبّد الإنسان بالتفكّر فيها ، والنظر في أمورها ، والاعتبار بما يرى ، ووصل بين عقولهم وبين معرفة تلك الحكم الشريفة ، وتلك الحاجات اللازمة ، بالنظر والتفكير ، وبالتنقيب والتنقير ، والتثبت والتوقّف ؛ ووصل معارفهم بمواقع حاجاتهم إليها ، وتشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان عنها .

20 - [ آلة البيان ]

وهو البيان الذي جعله اللّه تعالى سببا فيما بينهم ، ومعبّرا عن حقائق حاجاتهم ، ومعرّفا لمواضع سدّ الخلّة ورفع الشبهة ، ومداواة الحيرة ، ولأنّ أكثر الناس عن الناس أفهم منهم عن الأشباح الماثلة ، والأجسام الجامدة ، والأجرام الساكنة ، التي لا يتعرّف ما فيها من دقائق الحكمة وكنوز الآداب ، وينابيع العلم ، إلّا بالعقل الثاقب اللطيف ، وبالنظر التامّ النافذ ، وبالأداة الكاملة ، وبالأسباب الوافرة ، والصبر على مكروه الفكر ، والاحتراس من وجوه الخدع . والتحفّظ من دواعي الهوى ؛ ولأنّ الشّكل أفهم عن شكله ، وأسكن إليه وأصبّ به . وذلك موجود في أجناس البهائم ، وضروب السباع . والصبيّ عن الصبيّ أفهم له ، وله آلف وإليه أنزع ، وكذلك العالم والعالم ، والجاهل والجاهل ، وقال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه عليه الصلاة والسلام :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
« 1 » لأنّ الإنسان عن الإنسان أفهم ، وطباعه بطباعه آنس ؛ وعلى قدر ذلك يكون موقع ما يسمع منه . ثمّ لم يرض لهم من البنيان بصنف واحد ، بل جمع ذلك ولم يفرّق ، وكثّر ولم
هامش
( 1 ) الأنعام / 6 : 9 .
الحيوان — صفحة 35 | الجاحظ