تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحيوان — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
والقلم مكتف بنفسه ، لا يحتاج إلى ما عند غيره ؛ ولا بدّ لبيان اللسان من أمور : منها إشارة اليد ، ولولا الإشارة لما فهموا عنك خاصّ الخاصّ إذا كان أخصّ الخاصّ قد يدخل في باب العامّ ، إلّا أنّه أدنى طبقاته ؛ وليس يكتفي خاصّ الخاصّ باللفظ عمّا أدّاه ، كما اكتفى عامّ العامّ والطبقات التي بينه وبين أخصّ الخاصّ . والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يغريك ، والرفيق الذي لا يملّك ، والمستميح الذي لا يستريثك « 1 » ، والجار الذي لا يستبطيك ، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ، ولا يعاملك بالمكر ، ولا يخدعك بالنّفاق ، ولا يحتال لك بالكذب . والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك ، وبسط لسانك ، وجوّد بنانك ، وفخّم ألفاظك ، وبجّح « 2 » نفسك ، وعمّر صدرك ، ومنحك تعظيم العوامّ وصداقة الملوك ، وعرفت به في شهر ، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر ، مع السلامة من الغرم ، ومن كدّ الطلب ، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم ، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا ، وأكرم منه عرقا ، ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء . والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار ، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر ، ولا يعتلّ بنوم ، ولا يعتريه كلال السهر . وهو المعلّم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرك « 3 » ، وإن قطعت عنه المادّة لم يقطع عنك الفائدة ، وإن عزلت لم يدع طاعتك ، وإن هبّت ريح أعاديك لم ينقلب عليك ، ومتى كنت منه متعلّقا بسبب أو معتصما بأدنى حبل ، كان لك فيه غنى من غيره ، ولم تضطرّك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء . ولو لم يكن من فضله عليك ، وإحسانه إليك ، إلّا منعه لك من الجلوس على بابك ، والنظر إلى المارّة بك ، مع ما في ذلك من التعرّض للحقوق التي تلزم ، ومن فضول النظر ، ومن عادة الخوض فيما لا يعنيك ، ومن ملابسة صغار الناس ، وحضور ألفاظهم الساقطة ، ومعانيهم الفاسدة ، وأخلاقهم الرديّة ، وجهالاتهم المذمومة ، لكان في ذلك السلامة ، ثم الغنيمة ، وإحراز الأصل ، مع استفادة الفرع . ولو لم يكن في ذلك إلّا أنّه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة ، وعن اللعب ، وكلّ ما أشبه اللعب ، لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنّة .
هامش
( 1 ) استراث : استبطأ . ( اللسان : ريث ) . ( 2 ) بجّح : فرّح . ( اللسان : بجح ) . ( 3 ) الخفر : شدة الحياء . ( اللسان : خفر ) .