219 - [ ما ينبغي للأم في سياسة رضيعها حين بكائه ]
وأما قولها في المأقة ، فإنّ الصبيّ يبكي بكاء شديدا متعبا موجعا ، فإذا كانت الأمّ جاهلة حرّكته في المهد حركة تورثه الدّوار ، أو نوّمته بأن تضرب يدها على جنبه . ومتى نام الصبيّ وتلك الفزعة أو اللّوعة أو المكروه قائم في جوفه ، ولم يعلّل ببعض ما يلهيه ويضحكه ويسرّه ، حتى يكون نومه على سرور ، فيسري فيه ويعمل في طباعه ، ولا يكون نومه على فزع أو غيظ أو غمّ ؛ فإنّ ذلك ممّا يعمل في الفساد .
والأمّ الجاهلة والمرقّصة الخرقاء ، إذا لم تعرف فرق ما بين هاتين الحالتين ، كثر منها ذلك الفساد ، وترادف ، وأعان الثاني الأوّل والثالث الثاني حتّى يخرج الصبيّ مائقا .
وفي المثل : « صاحبي مئق وأنا تئق » « 1 » ، يضرب هذا المثل للمسافر الأحمق الرّفيق والزّميل ، وقد استفرغه الضّجر لطول السفر فقلبه ملآن ، فأوّل شيء يكون في ذلك المئق من المكروه لم يحتمله بل يفيض ضجره عليه ، لامتلائه من طول ما قاسى من مكروه السفر .
220 - [ القول في الصوت ]
فاحتاج حذّاق الملوك وأصحاب العنايات التامّة ، أن يداووا أنفسهم بالسماع الحسن ، ويشدّوا من متنهم بالشراب ، الذي إذا وقع في الجوف حرّك الدّم ، وإذا حرك الدّم حرّك طباع السرور ، ثمّ لا يزال زائدا في مكيال الدم ، زائدا في الحركة المولّدة للسرور . هذه صفة الملوك . وعليه بنوا أمرهم ، جهل ذلك من جهله ، وعلمه من علمه .
وقال صاحب الكلب : أمّا تركه الاعتراض على اللّصّ الذي أطعمه أيّاما وأحسن إليه مرارا ، فإنّما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه ، وتعاهدهم له . فإذا كان عهده ببرّ اللص أحدث من عهده ببرّ أهله ، لم يكلّف الكلب النظر في العواقب ، وموازنة الأمور . والذي أضمر اللصّ من البيات غيب قد ستر عنه ؛ وهو لا يدري أجاء ليأخذ أم جاء ليعطي ، أو هم أمروه أو هو المتكلّف لذلك ؛ ولعلّ أهله أيضا أن يكونوا قد استحقّوا ذلك منه بالضّرب والإجاعة ، وبالسبّ والإهانة .
وأمّا سماجة الصّوت فالبغل أسمج صوتا منه ، كذلك الطاوس على أنّهم يتشاءمون به . وليس الصّوت الحسن إلّا لأصناف الحمام من القماريّ والدّباسيّ ،
هامش
( 1 ) البخلاء 207 .