ج - وتلطف المجيء
، له بما يحتاج من خصال يحتاجها الملك ، ليعوض بها ضعف البشر عن إدراك الملأ الغيبي ؛ لذا قال الشوكاني : " ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به " « 1 » .
د - وقوة البدن المتعددة المناحي
لازمة للتنقل بين هذه المسافات الهائلة في وقته الذي أمر بالتبليغ فيه بشكل دقيق ، قال الصاوي - رحمه اللّه تعالى - ذاكرا بعض قوته : " فكان من قوته : أن اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود « 2 » ، وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ، ثم قلبها ، وأنه صاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين ، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف « 3 » .
وهذا الأخير الذي ذكره الصاوي هو المراد ، وما قبله خادم للإيراد ، وتناقل المفسرون هذا المعنى في أداء الرسالة التي كلف بها جبريل عليه السلام ، على أتم وجه وأتقنه ، بل جعل ذلك الإتقان هو طبيعة جبريل عليه السلام ، فقوله
كَرِيمٍ
يحتمل أن تكون الصفة المشبهة تدل على الطبيعة والسجية الذاتية لا المتكلفة « 4 » ، " فالقوة حقيقتها مقدرة الذات على الأعمال العظيمة التي لا يقدر عليها غالبا ، وتطلق مجازا على ثبات النفس على مرادها ، والإقدام على رباطة الجأش قال عزّ وجل
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
" مريم / 12 "
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
" البقرة / 63 " ، فوصف جبريل عليه السلام ب
ذِي قُوَّةٍ
يجوز أن يكون شدة المقدرة ، كما وصف بذلك في قوله
ذُو مِرَّةٍ
، ويجوز أن يكون من القوة المجازية ، وهي الثبات في أداء ما أرسل به ، كما قال سبحانه وتعالى
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
" النجم / 5 " ؛ لأن
هامش
( 1 ) فتح القدير 5 / 481 ، مرجع سابق .
( 2 ) لعله يعني البحر الميت ؛ إذ هو موضعهم . . . أو النفط الأسود ؛ إذ أن موضعه غائر في الأرض أكثر من الماء . . . فعبر بموضعه دلالة على اجتثاث القرى من أصلها في الأرض .
( 3 ) حاشية الصاوي 4 / 389 ، مرجع سابق .
( 4 ) كما في فقيه من فقه بضم القاف .