القرآن من وساوس المجانين ، فسلامة مبلّغه من الجنون تقتضي سلامة قوله عن أن يكون وسوسة « 1 » .
ودفعت هذه التهمة ببيان طبيعة الوحي ؛ كما قال سبحانه وتعالى عنهم
مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ
" الدخان / 14 " ، فأجاب عزّ وجل
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
" الطور / 34 " ، فالمجانين يمكن تقليد كلامهم حتى على الصبيان .
ثالثا : دفع تهمة التخيل بتأثير الجن :
وأصل هذه الشبهة في عقول أصحابها : عائد إلى أمرين :
1 - أن الجن عالم غيبي كالملائكة
، فيحتمل عندهم أن يكون ملك الوحي من الجن لا من الملائكة لاستواء الاحتمالين ؛ إذ هما غيب بالنسبة للبشر ، ولذا أورد ابن الأثير - رحمه اللّه تعالى - رواية لحديث بدء الوحي ، قالت فيها خديجة - رضي اللّه عنها : ( أخاف أن يكون عرض له : أي عرض له الجنّ ، أو أصابه منهم مسّ ) « 2 » .
2 - تشبيه حالة الوحي الشديدة بحالة الكهان
، قال ابن خلدون - رحمه اللّه تعالى - :
" ولأجل هذه الغاية في تنزّل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ، ويقولون له رئي أو تابع من الجن ، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال ، ومن يضلل فما له من هاد " « 3 » ، ولذا فبعد وصف القرآن الكريم للرسول الملقي ، والرسول الملقى عليه القرآن بصفاتهما اللائقة التي تزيل وطأة الشبهة المستحكمة لكل ذي عقل - نفى طروء تدخل خارجي يضيّع على الملك عليه السلام تأدية أمانته ، وعلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم تبليغ وحي ربه ، ولا يكون ذلك في الإنس لأنهم أضعف من أن يحصل منهم التدخل ؛ إذ حوكموا إلى قوانينهم
هامش
( 1 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 157 ، مرجع سابق .
( 2 ) النهاية في غريب الحديث 3 / 211 ، ولم يعثر الباحث على مخرج الحديث بهذا اللفظ بعد لأي .
( 3 ) مقدمة ابن خلدون ص 92 ، مرجع سابق .