وقد حدث نوع تكرار هاهنا لما سبق في رقم ( 3 ) من المطلب الأول ، فإنما ارتكب ذلك للأهمية . . . على أن المكرر هو فحوى الفكرة ، لا تفصيلها .
ثانيا : دفع تهمة التخيل بتأثير الجنون :
شهادة الخصم للرسول صلى اللّه عليه وسلم كافية لدحض هذه التهمة : حيث قال عزّ وجل نافيا لهذه التهمة
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
" التكوير / 22 " : ففي التعرض لعنوان الصحبة مضافة إلى ضميرهم تكذيب لهم بألطف وجه ؛ إذ هو إيماء إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم نشأ بين أظهرهم من ابتداء أمره إلى الآن ، فأنتم أعرف به ، وبأنه صلى اللّه عليه وسلم أتم الخلق عقلا ، وأرجحهم قيلا ، وأكملهم وصفا ، وأصفاهم ذهنا ، فلا يسند إليه الجنون إلا من ركّب من الحمق والجنون ، وبهذا أبطل قولهم إبطالا مؤكدا ومؤيدا ، فتأكيده بالقسم وزيادة الباء بعد النفي ، وتأييده بما أومأ اللّه سبحانه وتعالى إليه ، ووصفه بأنّ الذي بلّغه صاحبهم صلى اللّه عليه وسلم ، والصاحب حقيقته ذو الصحبة ، وهي الملازمة في أحوال التجمع والانفراد للمؤانسة ، والموافقة ، ومنه قيل للزوج : صاحبة ، وللمسافر مع غيره : صاحب . . . وقد يتوسعون في إطلاقه على المخالط في أحوال كثيرة ، ولو في الشر « 1 » ، ولما سبق عدل عن اسم العلم إلى وصفه صلى اللّه عليه وسلم ب
صاحِبُكُمْ
، وقد تقرر هذا أيضا في مقام إثبات طبيعة القرآن المجيد ، وأنه منزل من عند اللّه عزّ وجل في سورة النجم ، حيث قال تعالى عنه
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
" النجم / 2 " .
ثم نفى أن تكون وسوسة ذاتية لأن الخلل إما من الرسول الذي حمله ، أو الذي تلقاه ، أو من أمر خارجي قذفه غيرهما بينهما ، وهو الشيطان لا غير ، أو من تخيلات ذاتية طرأت على التلقي من البشر ، فنفى كل ذلك ، وفي قوله
وَما صاحِبُكُمْ . . .
والمعنى : ليس
هامش
( 1 ) انظر : روح المعاني 30 / 105 ، ونحوه عند أبي السعود 5 / 489 ، والشوكاني 5 / 481 ، والتحرير والتنوير 30 / 157 ، مراجع سابقة .