تراءى فيه جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه أفق واضح بين لا تشتبه فيه المرئيات ، ولا يتخيل فيه الخيال ، وجعلت تلك الصفة علامة على أن المرئي ملك ، وليس بخيال ؛ لأن الأخيلة التي يتخيلها المجانين إنما يتخيلونها على الأرض تابعة لهم على ما تعودوه من وقت الصحة « 1 » ، وقد وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم الملك الذي رآه عند نزول سورة المدثر بأنه على كرسي بين السماء والأرض « 2 » ، ولهذا تكرر ذكر ظهور الملك بالأفق في سورة النجم في قوله سبحانه وتعالى
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
- إلى أن قال -
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . . .
الْمَأْوى
" النجم / 5 - 18 " .
والمرة الأخرى عند سدرة المنتهى « 3 »
، وتكرار الرؤية للتأكيد ؛ لئلا يكون للوهم سبيل إلى نفسه وسائر من بلغ من الخلق أجمعين ، وقد كانت الأخرى في مكان لا يشكّ فيه ، ولا يزيغ البصر عنده ، ولا يطغى .
6 - عصمته صلى اللّه عليه وسلم
من التقول على اللّه سبحانه وتعالى عمدا ، أو خطأ ، أو سهوا ، وكل ذلك محال في حقه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اجتمعت الأمة على عصمته فيما طريقه البلاغ من الأقوال ، وأنه معصوم عن الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به لا قصدا ، ولا عمدا ، ولا سهوا ، ولا غلطا « 4 » ، ولذا قال الحلبي - رحمه اللّه تعالى - في سيرته : " علم وتقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان ، واختص نبينا صلى اللّه عليه وسلم من بين سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالختم « 5 » في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان ، وقطع أطماعه " « 6 » .
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير 30 / 159 ، مرجع سابق .
( 2 ) انظر : البخاري 1 / 3 ، مرجع سابق .
( 3 ) راجع : البحر المحيط 8 / 435 ، مرجع سابق .
( 4 ) الشفا تعريف حقوق المصطفى ينظر 2 / 20 وما بعدها ، مرجع سابق .
( 5 ) يعني الخاتم الذي كان بين كتفيه صلى اللّه عليه وسلم المعروف بخاتم النبوة .
( 6 ) ( الحلبي ) علي بن برهان الدين ت 1044 ه : السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون 1 / 161 ، دار المعرفة - بيروت 1400 ه ، وقد ألف في عصمة الأنبياء : الإمام شمس الأئمة الكردري الحنفي المتوفى سنة 642 ه ، ببخارى