تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢

مناقشة دلائل الجواز

غير أن هذه الدلائل غير وافية بإثبات المطلوب ، ولا هي تبرّر مراجعة أهل الكتاب في شيء من تفسير القرآن الحكيم أو تاريخ الأنبياء عليهم السّلام . ذلك لأنّ اليهود الذين جاوروا العرب كانوا أهل بادية مثلهم - كما قال ابن خلدون - لا علم لهم ولا تحقيق بمعرفة الصحيح من الأخبار ، سوى ما شاع لديهم من أخبار عامّيّة ممّا لا يمكن الوثوق بها . أما علماؤهم فكانوا أهل دجل وتزوير ، كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم - كما حكى عنهم القرآن - ويزوّرون الحديث ويقولون : هذا من عند اللّه ، وما هو من عند اللّه ، ليشتروا به ثمنا قليلا ، بغية حطام الدنيا الرذيلة . ومن ثمّ كان المنع من ذلك شديدا كما عرفت في مناهي النبي وأصحابه الكبار عن ذلك ، ولم يدل على جوازه شيء من الأخبار والآثار . أمّا الآيات التي زعموها مبيحة لذلك ، فالاستدلال بها عقيم ؛ لأنها من باب « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » . كان الخطاب في ظاهره مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير أنّ المقصود غيره من المتشكّكين في أمر الرسالة ، وليسوا هم المسلمين أيضا ، بل الكفّار والمنافقون هم المقصودون ، بدليل صدر الآية وذيلها :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
« 1 » . والعجب من الذهبي كيف يزعم أنّ هذه الآية جاءت رخصة للنبي في مراجعة أهل الكتاب ؟ ! أو هل يشكّ النبي فيما أنزل إليه ؟ ! أو هل يمتري النبي في صدق رسالته كي يؤمر بالانتهاء منه ؟ !
هامش
( 1 ) يونس / 94 .