تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
( 465 ه ) بمدينة نيسابور . وتفسيره هذا امتداد للتفسير الصوفي الباطني ، معتمدا في أكثر الأحيان على تأويلات قد ينبو عنها ظاهر لفظ الآية الكريمة . لكنه مع ذلك حاول أن يوفّق بين علوم الحقيقة - حسب مصطلحهم - وعلوم الشريعة ، قاصدا أن لا تعارض بينهما ، وأن أيّ كلام يناقض ذلك فهو خروج على كليهما ؛ إذ كل شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول ، فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . كما جاء في « الرسالة القشيريّة » « 1 » . حاول في هذا التفسير أن يبرهن على أن كلّ صغيرة وكبيرة في علوم الصوفيّة ، فإنّ لها أصلا من القرآن . ويتجلّى ذلك بصفة خاصّة حيثما ورد المصطلح الصوفي صريحا في النّص القرآني ، كالذكر والتوكّل والرضا ، والوليّ والولاية والحق ، والظاهر والباطن ، والقبض والبسط . فإنك عند خلال قراءة التفسير لا تكاد تملك إلا أن تحكم أن الصوفيّة قد استمدّوا أصولهم وفروعهم من كتاب اللّه الكريم ، وأنّ علومهم ليست غريبة ولا مستوردة ، كما يحلو لكثير من الباحثين ، حين يرون التصوّف الإسلامي متأثّرا بالتيّارات الأجنبيّة ، اليونان والفرس والهند . كذلك تلحظ عبقريّة القشيري إزاء اللفظة أو الآية ، حينما لا يكون فيها اصطلاح صوفي ، فإنّه يستخرج لك من آيات الطلاق إشارات في الصحبة والصاحب ، ومن علاقة النبىّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأصحابه إشارات عن الشيخ ومريديه ، ومن مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر والمطر والجبال إشارات تتّصل اتّصالا وثيقا بالرياضات والمجاهدات ، أو بالمواصلات والكشوفات .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيريّة ، ص 46 . وراجع : مقدمة تفسير القشيري ، ج 1 ، ص 18 .