تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
حق ، فإذا أدّاها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها . ونحوه قولهم : لا يملك مولى لمولى نصرا ، يريدون أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ، ولا يمسكها كما يمسك الخاذل . ومنه قول القائل :
أخوك الذي لا تملك الحسّ نفسه * وترفضّ عند المحفظات الكتائف « 1 »
أي لا يمسك الرقّة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده ، بل يبذل ذلك ويسمح به . ومنه قولهم : أبغض حق أخيك ؛ لأنه إذا أحبّه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤدّه ، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه . فمعنى
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
« 2 » : فأبين إلّا أن يؤدّينها ، وأبى الإنسان إلّا أن يكون محتملا لها لا يؤدّيها ، ثم وصف بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة ، وبالجهل ، لإخطائه ما يسعده مع تمكّنه منه ، وهو أداؤها . والثاني : أن ما كلّفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله ، أنه عرض على أعظم ما خلق اللّه من الأجرام وأقواه وأشدّه ، أن يتحمّله ويستقلّ به ، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه . وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته . إنه كان ظلوما جهولا ؛ حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها ، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها « 3 » . قال : ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء القرآن إلّا على
هامش
( 1 ) هو للقطامي ، وقيل : لذي الرمة . وحسّ له حسّا : رقّ له وعطف . والحسّ أيضا : العقل والتدبير والنظر في العواقب . والارفضاض : الترشرش والتناثر . وأحفظه إحفاظا : أغضبه . والكتائف جمع كتيفة ، وهي الضغينة والحقد . يقول : أخوك هو الذي لا تملك نفسه الرحمة ، بل يبذلها لك ويسرع إليك بغتة وتذهب ضغائنه . ( 2 ) الأحزاب / 72 . ( 3 ) خاس به يخيس ويخوس : غدر به . خاس بالعهد ، إذا نكث .