يتعدّى بإلى ، وإنما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ ؟
قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر .
وأيضا الضمير في « يأتينك » عائد إليها لا إلى أجزائها ، وعلى قولكم : إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في « يأتينك » عائدا إلى أجزائها لا إلى الطيور أنفسها « 1 » .
ثم إنّ الإمام الرازي يذكر حجج المشهور رادّا على أبي مسلم . وقد نقلها صاحب تفسير المنار وضعّفها ، وأيّد مذهب أبي مسلم في تفسير الآية في شرح وتفصيل ، ثم قال :
وجملة القول : أن تفسير أبي مسلم لهذه الآية هو المتبادر الذي يدلّ عليه النظم ، وهو الذي يجلّي الحقيقة في المسألة ، وأخذ في تقريب ذلك . وأخيرا قال :
ولله درّ أبي مسلم ، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه « 2 » .
وهذه أيضا شهادة بشأن أبي مسلم ، من أكبر علماء التفسير في العصر الأخير .
هذا ، ولأمثال أبي مسلم مواقف مشرفة تجاه سائر المفسرين الظاهريين ، كانت نوافذ قلوب أمثاله متفتّحة ، يسيرون في ضوء العقل ، وعلى مناهج التفكير المتين « 3 » .
وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على مدى قوّة الاجتهاد ودوره المجيد في تفسير
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 41 - 42 .
( 2 ) راجع : تفسير المنار ، ج 3 ، ص 56 - 58 .
( 3 ) وسنعرض نماذج من تفاسيرهم التي جاء نسجها على نفس المنوال ، في فصول قادمة إن شاء اللّه .