تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والتاويل في القرآن — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ونقدم فيما يلي مثالا واحدا من السيرة النبوية وحركة الصحابة ، تبيّن أنّ هذا هو المقصود بالتأويل ، وأنّ الصحابة كانوا يفهمونه . إنّ آيات سورة القمر تقرر هزيمة كفار قريش ، كما هزم اللّه الكفار السابقين ، وبعد أن تقدم آيات السورة لقطات سريعة عن مصارع أشهر الكفار السابقين : قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وآل فرعون ، تخاطب كفار قريش قائلة :
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ، وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
« 1 » . تسأل هذه الآيات كفار قريش : أأنتم خير من الكفار السابقين المعذّبين ؟ أتظنون أن العذاب لن يقع بكم في الدنيا قبل الآخرة ؟ هل معكم براءة من اللّه أنزلها عليكم في الزبر والكتب ؟ أم تعتمدون على قوتكم وجنودكم وأتباعكم ؟ أتظنون أنكم ستنتصرون على المسلمين في حربكم القادمة القريبة ؟ وتقولون : نحن جميع منتصرون ، والمسلمون مهزمون ؟ لا تظنّوا هذا ، ولا تتوقّعوه ، إنّ المعارك قادمة بينكم وبين المسلمين ، وستنهزمون أمامهم ، وسيتفرق جمعكم ، وستولون أدباركم للمسلمين ، وسينزل اللّه نصره عليهم :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
. إنّ قوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
وعيد من اللّه وتهديد للكفار ، وتقرير أنهم سينهزمون لا محالة ! وهذه الآيات نزلت في مكة ، بينما كان المسلمون قلة مستضعفين ، والكافرون أقوياء غالبين ، وقد أيقن المسلمون بتحقق وعدها في المستقبل ، لكنّ الكافرين لم يصدّقوا ذلك . متى تمّ تأويل هذه الآيات ؟ أي : متى تحقق بعدها العملي المادي الواقعي ؟ ومتى ردّ الكلام النظري فيها إلى غايته الفعلية المرادة منه ؟
هامش
( 1 ) سورة القمر : 43 - 46 .