مستضعفون فقراء ؟ أمّا هم فهم أقوياء أغنياء أصحاب السلطة والمنزلة ؟
في هذا الجو تنزلت آيات سورة يونس ، وواجهت الكفار في تكذيبهم واستهزائهم .
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
.
كذّبوا بأخبار القرآن وحقائقه ، كذّبوا بوعوده للمؤمنين ، وتهديداته للكافرين ، وأنكروا أن يكون المستقبل هو للإسلام والمسلمين ، ولم يصدّقوا أنهم يمكن أن ينهزموا أمام المسلمين .
فتقول لهم الآية : إنكم تكذّبون الآن بهذه الآيات ، وأنتم لم تحيطوا علما بها ، تكذّبون بها لأنه لما يأتكم تأويلها ، ولما تشاهدوا صورتها العملية والواقعية ، لكنّ تأويلها آت عن قريب ، وستعيشون هذا التأويل عمليا عندما تبدأ المعارك الفعلية بينكم وبين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذه المعارك ستنشب عن قريب ! إنّ « لما » في قوله :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
تدلّ على التوقّع ، وتستعمل في قرب وقوع ما بعدها .
وذلك كما في قوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا . قُلْ : لَمْ تُؤْمِنُوا . وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
« 1 » إنّ « لما » هنا حرف « توقّع وإطماع » . فالأعراب أسلموا ، وجاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وامتنّوا عليه ، وزعموا تحقق الايمان بعد الإسلام فيهم ، ولكنّ الآية تصحح لهم ذلك ، وتقول لهم أنتم أسلمتم ، نعم ، ولكنكم لم تؤمنوا حتى الآن ، لأن الإيمان لم يدخل في قلوبكم إلى الآن .
لكن هذا الإيمان ليس بعيدا عنكم ، وأنتم لستم بعيدين عنه ، إنكم سائرون في طريقكم إليه ، وسيدخل في قلوبكم عن قريب !
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 14 .