تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
الحارث بن جبلة قال : قلت يا رسول اللّه علمني شيئا أقوله عند منامي ، قال : « إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
فإنها براءة من الشرك » واللّه أعلم . وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد البر أخضر أو أحمر أن رسول اللّه كان إذا أخذ مضجعه قرأ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
حتى يختمها .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ سورة الكافرون ( 109 ) : الآيات 1 إلى 6 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون ، وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
يشمل كل كافر على وجه الأرض ، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش ، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عبادة أوثانهم سنة ، ويعبدون معبوده سنة ، فأنزل اللّه هذه السورة وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
يعني من الأصنام والأنداد
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
وهو اللّه وحده لا شريك له ، فما هاهنا بمعنى من ، ثم قال :
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما أعبد اللّه على الوجه الذي يحبه ويرضاه ، ولهذا قال :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
أي لا تقتدون بأوامر اللّه وشرعه في عبادته ، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
[ النجم : 23 ] . فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه ، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه يعبدون اللّه بما شرعه ، ولهذا كان كلمة الإسلام لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه أي لا معبود إلا اللّه ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمشركون يعبدون غير اللّه عبادة لم يأذن بها اللّه ، ولهذا قال لهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
كما قال تعالى :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ يونس : 44 ] وقال :
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ *
[ الشورى : 15 ] . وقال البخاري « 1 » يقال :
لَكُمْ دِينُكُمْ
الكفر
وَلِيَ دِينِ
الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون فحذف الياء كما قال :
فَهُوَ يَهْدِينِ
و
يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] وقال غيره : لا أعبد ما تعبدون الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ولا أنتم عابدون ما أعبد ، وهم الذين قال :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً *
[ المائدة : 64 ] انتهى ما ذكره .
هامش
( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 109 ، في الترجمة .