تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
وقوله تعالى :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته ، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك فاعبده وحده لا شريك له ، وانحر على اسمه وحده لا شريك له كما قال تعالى :
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
[ الأنعام : 162 - 163 ] قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن : يعني بذلك نحر البدن ونحوها . وكذا قال قتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والربيع وعطاء الخراساني والحكم وإسماعيل بن أبي خالد وغير واحد من السلف ، وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير اللّه والذبح على غير اسمه كما قال تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
[ الأنعام : 121 ] الآية ، وقيل : المراد بقوله
وَانْحَرْ
وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر ، يروى هذا عن علي ولا يصح ، وعن الشعبي مثله وعن أبي جعفر الباقر
وَانْحَرْ
يعني رفع اليدين عند افتتاح الصلاة ، وقيل
وَانْحَرْ
أي واستقبل بنحرك القبلة ، ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير . وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال : حدثنا وهب بن إبراهيم القاضي سنة خمس وخمسين ومائتين ، حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي ، حدثنا مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه السورة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا جبريل ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ » فقال : ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع ، وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع ، وإن لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة . وهكذا رواه الحاكم في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به ، وعن عطاء الخراساني :
وَانْحَرْ
أي ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل وأبرز نحرك يعني به الاعتدال ، رواه ابن أبي حاتم وكل هذه الأقوال غريبة جدا ، والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك ، ولهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول : « من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له » فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول اللّه إني نسكت شاتي قبل الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم . قال : « شاتك شاة لحم » قال : فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني ؟ قال : « تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العيدين باب 5 ، 23 ، وأبو داود في الأضاحي باب 50 ، والنسائي في العيدين باب 17 .