تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
ولا نقبل منه . وقوله تعالى :
إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم ، ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله كلا ، أي لأنها كلمة ، أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه وقول لا عمل معه ، ولو رد لما عمل صالحا ولكان يكذب في مقالته هذه ، كما قال تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
قال قتادة : واللّه ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة اللّه عز وجل ، فرحم اللّه امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار . وقال محمد بن كعب القرظي
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
قال : فيقول الجبار :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
وقال عمر بن عبد اللّه مولى غفرة : إذا قال الكافر رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ، يقول اللّه تعالى : كلا كذبت . وقال قتادة في قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
قال : كان العلاء بن زياد يقول : لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله ، فليعمل بطاعة اللّه تعالى . وقال قتادة : واللّه ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة اللّه ، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ، ولا قوة طلا باللّه ، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه . وقال محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن يوسف ، حدثنا فضيل - يعني ابن عياض - عن ليث عن طلحة بن مصرف ، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : إذا وضع - يعني الكافر - في قبره فيرى مقعده من النار ، قال : فيقول : رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا ، قال : فيقال قد عمرت ما كنت معمرا ، قال : فيضيق عليه قبره ويلتئم ، فهو كالمنهوش ينام ويفزع ، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها « 1 » . وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثني سلمة بن تمام ، حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم ، حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه ، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال اللّه تعالى :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى :
وَمِنْ وَرائِهِمْ
يعني أمامهم . وقال مجاهد : البرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة . وقال محمد بن كعب : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم . وقال أبو صخر : البرزخ المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة ، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون ، وفي قوله تعالى :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ
تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ ، كما قال
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور 5 / 28 .