تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
قال محمد بن سيرين : وكانوا يقولون : لا يجاوز بصره مصلاه ، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية ، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لما واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها ، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين ، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم أنه قال : « حبب إليّ الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا وكيع ، حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال : يا بلال « أرحنا بالصلاة » وقال الإمام أحمد « 3 » أيضا : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد أن محمد بن الحنفية قال : دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار ، فحضرت الصلاة ، فقال : يا جارية ائتيني بوضوء لعلي أصلي فأستريح ، فرآنا أنكرنا عليه ذلك ، فقال : سمعت رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم يقول : « قم يا بلال فأرحنا بالصلاة » . وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
أي عن الباطل ، وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم ، والمعاصي كما قاله آخرون ، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال ، كما قال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] قال قتادة : أتاهم واللّه من أمر اللّه ما وقفهم عن ذلك . وقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال ، مع أن هذه الآية مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة ، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة ، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة ، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
[ الأنعام : 141 ] وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس ، كقوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[ الشمس : 9 - 10 ] وكقوله
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ فصلت : 6 - 7 ] على أحد القولين في تفسيرهما ، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال ، فإنه من جملة زكاة النفوس ، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا ، واللّه أعلم . وقوله
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي في عشرة النساء باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 128 ، 199 ، 285 . ( 2 ) المسند 5 / 364 . ( 3 ) المسند 5 / 371 .